نعترف أن أغراض الهجاء في قاموس الشعر العربي القديم مازالت تشدنا إليها وذلك منذ ان عرجنا في أحاديث سبقت إلى المصنف الذي وضعه مثقف معاصر هو المرحوم هادي العلوي بعنوان ديوان الهجاء العربي ونعترف أيضا ان للهجاء جاذبية خاصة يتفوق بها, أو يكاد, على سائر أغراض الفن القولي , فلا نظن ان المديح أمر مرغوب فيه لأننا ندرك مسبقا ان الشاعر قد يقوله متكسبا وقد يقوله متخوفا, وقد يقوله معتذرا, وهو يقوله في كل حال من منطق المراجاة والنفاق, اللهم إلا إذا استثنينا من هذه القاعدة أماديح, أو بعض أماديح المتنبي في سيف الدولة الذي لم يكن بالنسبة للمتنبي مجرد حاكم أو أمير بقدر ما كان أيضا أديبا متذوقا وصديقا كبيرا أو هكذا نتصور. وقد لا نستحسن المديح أيضا لأن الشاعر يتوجه بالحمد وقليل الثناء والتقريظ على سوانا من عباد الله, وربما نشعر بالغيرة ان المديح لم يتجه إلينا ولا تغنى بمآثرنا نحن, وهي كما تعلم ولا شك متعددة وغزيرة ! أما في باب الهجاء فالشاعر يطلق لسانه وأحيانا يحول عباراته وأبياته إلى وتر مشحون ومشدود وقد يصل به الأمر إلى التفنن في عرض المثالب وذكر المعايب, ونحن قراء الشعر نحس بمتعة غريبة حين نتابع ما يقوله الشاعر, وقد يكون مصدرها مثلا ان الشاعر يشتم قوما غيرنا واننا نتابع ونقرأ عن معايب الآخرين فيما نحن معايبنا غير منكشفة والطابق فيها كما يقولون ـ مستور ـ ألا ترى ان ذلك أقرب إلى المشاعر التي حللها المعلم اليوناني الأول الفيلسوف ارسطو في كتاب الشعر وهو يتكلم عما تخلفه التراجيديا الأغريقية من شعور هو مزيج من الرعب والشفقة فها نحن نتابع على المسرح الاغريقي الفواجع التي تحيق بشخوص الحدث المسرحي ونشعر بالرعب ازاء المأساة التي نراها مجسدة بفن التشخيص على خشبة المسرح, ويراودها شعور الرثاء اذ نشفق على مصائر الآخرين, ثم يسلمنا هذا كله إلى نوع من التطهر أو التنقية النفسية والوجدانية, كاثارسيس, كما يقول ارسطو.. وربما ترجع هذه المشاعر كلها إلى ادراكنا ان كل ما وقع من فواجع وكل ما حاق من نوازل كان بعيدا عنا وكان من نصيب اطراف أخرى سوانا, وسواء صحت هذه النوبة التي راودتنا من التفلسف, أو كانت مجرد طق حنك كما يقول اللبنانيون, فالذي لا شك فيه ان عمود الهجاء في الشعر العربي له طرافته وجاذبيته وان لم نستفد من قراءته علما باللغة ووعيا أكثر بتاريخ العلاقات الاجتماعية والأحوال السياسية والأطوار النفسانية التي قيل فيها الهجاء فلا أقل من ان نستمتع ـ أعزك الله ـ بمتابعة هذه المهارشة البلاغية بين ديوك القريض ويسمونها في تاريخ الشعر العربي (النقائض) وقد كان من اعلامها ثلاثة من كبار شعراء العربية هم كما قد تعلم: جرير والفرزدق والأخطل والثلاثة كانوا بالطبع متعاصرين جمعهم صدر الدولة الأموية التي تحول بها حكم المسلمين كما تقول الكتب القديمة من خلافة إلى ملك عضوض (بمعنى صلبة البنية شديدة الوطأة, مرة المذاق واسعة الموارد باعتبار ان البئر العضوض هي الكثيرة المياه.. والله أعلم). وفي سبيل تأسيس هذه المؤسسة الحاكمة بصفاتها التي اسلفنا عمد حكام بني أمية إلى اشعال الشجارات بين القبائل العربية واذكاء الاحن والفتن وتحريك ما كان قد انطفأ بسماحة الاسلام من ثارات ونعرات وعصبيات.. دع عنك ما كان القوم قد اقبلوا عليه بعد طول تزهد وتقشف في عهد الراشدين عليهم رضوان الله, من نهم إلى المتاع وتطلع إلى التنعم وطمح ـ عند الأخوة شعراء المرحلة ـ إلى نيل الجوائز والضياع والصلات وقد (ينخع) الشاعر قصيدة عصماء في التغني بمآثر ممدوحه الذي يصوره الشاعر جميل المحيا (وهو اقرب إلى سحنة السعدان) أو كريم العطايا (وهو يتعامل بالدانق والسحتوت) أو ظريف المحضر, حلو المعشر (ويعلم الله كم ان المذكور أعلاه من أثقل خلق الله) وبعد ان يتكلف الشاعر المسكين كل هذا النفاق فما بالك ان يصوغه قولا جميلا كي يردده الناس أبياتا من الشعر, ثم يفاجأ الشاعر ان الممدوح اياه ابطأ في عطائه أو بخل أصلا عن هذا العطاء, هنالك تصدق قولة المصريين الشهيرة: (يا داهية دُقي) ومعها يتحول المديح إلى هجاء أقرب إلى السباب, وكأنما يتشفى الشاعر لنفسه مما أوقعها فيه من صنوف الرياء والنفاق, وقد أثبت أبو الفرج صاحب كتاب الأغاني, حادثة شهيرة في هذا الباب مدح فيها شاعر اسمه الخزين الكناني واحدا من اعيان الناس هو عمرو بن الزبير فلما أبطأ الممدوح مماطلا في المكافأة, عمد الشاعر إلى سلقه بأوصاف حداد قال فيها: مواعيد عمرو تُرَّهات ووجهه على كل ما قد قلت فيه دليلُ جبان وفحّاش لئيم مذمم واكذب خلق الله حين يقول وآه لو كان السيد عمرو المذكور قد هز كيسه وجاد بأنواع العملات, هناك كان الشاعر سيحول الدفة كي يصفه ليقول: جواد ومعطاء وسمح مكرّم واصدق خلق الله حين يقول ثم تعال الى شاعر آخر ورد ذكره بدوره في اغاني الاصفهاني.. ها هو (ابو جلده اليشكري.. يهجو رجلا من اثرياء مجتمعه اسمه ابن مسمع وقد منع الشاعر من لقائه فاطلق لسانه يقول: قرى ضيفه الماء القراح ابن مسمع وكان لئيما, جاره يتذلل فانظر وتأمل كيف ان المهجو حاليا ـ وهو الممدوح سابقا أو هو الممدوح محتملا (في حالة المكافأة طبعا) ـ هذا المهجو لا يقدم لضيفه سوى الماء القراح وهو جاره الذي يساكنه, او هو جاره الذي يستجير او يستغيث به وصلت به الحال الى مستوى الذلة والمسكنة اذ يساكن بخيلا او يستجير من الرمضاء بالنار. ويبدو ان العرب الاقدمين كانوا يتهاجون بحكاية الضيف المحروم من كرم الاقامة والرفادة وها هو شاعر آخر اسمه زياد الاعجم يهجو احدى القبائل يقول بادئا بتصغير لفظ القبيلة ذاته: قبيلة خيرها شرها واصدقها الكاذب الآثم وضيفهم وسط ابياتهم وان لم يكن صائما, صائم فاذا اتينا الى سادة الهجاء في عمود الشعر العربي وهم شعراء النقائض على سن ورمح لوجدنا ان الامر لم يكن ليقف عند التفسير البسيط الذي يدور حول ما عمد اليه الامويون من تأليب الناس وايقاد نيران الفتنة وبعث الثارات القديمة بين العشائر, ثمة تفسير اكثر نضجا يضيف الى هذا كله ويذهب اليه العلامة شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة في كتابه الجامع عن العصر الاسلامي في تاريخ الادب العربي حين يقول ان كلا من شعراء النقائض كان يدرس موضوعه دراسة دقيقة ويبحث في الادلة التي يسوقها ليوثقها وفي ادلة خصمه الشاعر لينقضها دليلا من بعد دليل.. وهكذا ـ يضيف الاستاذ الكبير شوقي ضيف منذ تدخلت في صنع النقائض ـ بجانب العوامل الاجتماعية ـ عوامل عقلية مردها الى نمو العقل العربي ومرانه الواسع على الحوار والجدل والمناظرة.. هكذا جاءت اشعار النقائض اقرب الى المناظرات الشعرية وهي من ثم تستحق ان نطالع صفحاتها في حديث قادم بإذن الله.