إذا كنت واحداً من اولئك الذين يكثرون من التردد على العواصم والمدن الاوروبية الشهيرة للسياحة او الاستشفاء أو أي غرض آخر, فربما تكون قد تعرضت لهذا الموقف يوما ما. غالباً ما يكون الزمان غير ساعات الذروة.. والمكان نائياً إلى حدٍ ما.. شارعاً جانبياً أو ضاحية من ضواحي المدينة . تكون ماشياً للتنزه او ذاهباً لقضاء حاجة من حوائجك.. يبدو عليك من ملامح وجهك وهيئتك أنك غريب عن هذا البلد.. لا تخفى عن الناظر إليك ملامحك الشرق أوسطية المعروفة.. يزيدها وضوحاً وتأكيداً إذا ما كنتَ ترتدي أو كنتِ ترتدين ملابس أنيقة تحمل إحدى (الماركات) الفرنسية او الايطالية الشهيرة, وتزينان معصميكما بساعة سويسرية تلمع أحجارها الكريمة من مسافة بعيدة. فجأة تتوقف إلى جانبك سيارة تحمل لوحة أوروبية من غير المدينة التي أنت فيها, وبسرعة فائقة يفتح بابها ويندفع نحوك رجل تتراءى لك على وجهه مظاهر ارتباك وخجل وخوف.. يسألك أولاً إن كنت من غير أهل البلد ـ مع أن هذا واضح وضوح الشمس لكل ذي عينين ـ وعمّا إذا كنت تتحدث الانجليزية أو لغة أوروبية أخرى, تجيبه بأنك تتحدث الانجليزية فيعتذر لك لعدم إجادته لها إجادة تامة, ثم يبدأ في سرد قصته التي لا تختلف كثيراً عن قصة ربما سمعتها أو ستسمعها بعد ذلك مرات عديدة. تتلخص حكايته في أنه من غير أهل هذا البلد, إذ يدّعي أنه من بلد أوروبي آخر, غالباً ما يكون عاصمة من عواصم الموضة والمافيا الشهيرة, وأنه قد جاء إلى هذا البلد ومعه مجموعة من الملابس ذات (الماركات) المعروفة, وقد استطاع أن يدخلها دون أن يسدد الضرائب المطلوبة عند إدخالها, ولأنه مضطر للعودة إلى بلده فهو يعرضها عليك بسعر زهيد لن تجد له مثيلاً في أي من المتاجر التي تبيع هذه النوعية من الملابس, واعتماداً على عنصر المفاجأة الذي تعامل به معك هذا البائع الذي هبط عليك من السماء تجد نفسك مأخوذاً بالقصة التي سردها لك, ومتأثراً بها الى الدرجة التي تجعلك تصدّقها, وتعتقد أن فرصة ذهبية قد تهيأت لك لتوفير مبلغ لا بأس به, واقتناء مجموعة فريدة من الملابس الأنيقة ذات (الماركات) الشهيرة, وتقديم بعضٍ منها هدايا للأصدقاء والاحباب, فتمضي معه إلى النهاية التي يريدها لقصته, وتستجيب لطلبه بالقاء نظرة على هذه المجموعة (اللقطة) من الملابس التي يعرضها عليك في سيارته وعيناه تراقبان الطريق خشية مرور دورية شرطة تلقي القبض عليه لممارسته عملاً غير مشروع, وهو البيع وممارسة التجارة دون ترخيص مما يعرضه للمساءلة وعقوبة قد تودي به الى السجن والغرامة. وفي غمرة الاستعجال الذي يشوب عملية المعاينة والاختيار والجو النفسي الذي يكتنفها بعد ان يشرح لك مغبة الوقوع تحت طائلة المخالفة القانونية بائعاً ومشترياً تجد نفسك بعد أن تتم العملية وتعود إلى محل سكنك قد وقعت ضحية عملية نصب متقنة, وأن ما اشتريته من ملابس لا يساوي ربع المبلغ الذي دفعته, فتداري خيبتك التي كنت قبل لحظات تظنها شطارة, وتبقي الأمر طيّ الكتمان حتى لا تكون محل تندر وشماتة الاصحاب, وعوضك على الله, أو تُسِرُّ بحكايتك للمخلصين من الاصدقاء الذين تأمن تندرهم وشماتتهم, جاعلاً مما حدث لك خير عظة وعبرة لهم فلا يقعون في المطب الذي وقعت فيه, ويأخذون بأسباب الحيطة والحذر. هذا هو ما يحدث غالباً خاصة إذا ما كنت قليل خبرة بمثل هذه المواقف, أو حديث عهد بالسفر لمثل هذه الاماكن, أما اذا استطعت التغلب على الاحساس الخادع بالشطارة وأوهام الحظ السعيد الذي ابتسم لك فساق إليك هذه الهدية على غير موعد, وأدركت أن ما يحدث أمامك لا يعدو أن يكون تمثيلية أجاد محدثك حبكها كي يوقعك في شراكه فواصلت سيرك غير مكترث بما تشاهد فإنك تكون قد أنقذت نفسك من عملية احتيال استهدفت جيبك, وصُوِّبت إلى الفطنة التي تدّعي وتتباهى بها. كنت ـ إلى وقت قريب ـ أظن أننا مستهدفون فقط من قبل العصابات الافريقية التي تدّعي مضاعفة الاموال باستخدام أساليب الدجل والسحر والشعوذة التي ينخدع بها البعض فيقومون بتسليمها مبالغ ضخمة بغرض مضاعفتها, لتختفي هذه الأموال وتحل محلها اوراق بيضاء تسر الناظرين الافارقة, أما أصحاب الاموال المتطلعون إلى الثراء بمثل هذه الوسائل السهلة فانهم يتجرعون نتائج طمعهم حسرة وغصة بعد أن تتبخر أحلامهم وتتحول أموالهم الى قضايا مسجلة في دوائر الشرطة والنيابات العامة ضد مجهول او هارب لا أمل في العثور عليه. كما كنت أظن أيضاً أن أساليب النصب لن تخرج عن تلك الرسائل التي تحملها صناديق البريد وأجهزة الفاكس إلينا من زوجات وأقارب لزعماء أفارقة سابقين يعرض أصحابها علينا تحويل مبالغ بملايين الدولارات إلى حساباتنا البنكية الخاصة لقاء عمولات مغرية بزعم محاولة إنقاذ ثروات هؤلاء الزعماء من المصادرة عبر السلطات الحاكمة الحالية في بلدانهم, وتشغيلها في مشاريع استثمارية لدينا, تلك الرسائل التي تحمل توقيعات مثل الحاجة مريم أباشي زوجة الرئيس النيجيري السابق الجنرال ساني أباشي الذي توفي العام الماضي نتيجة ما تردد عن تناوله عقار الفياجرا, وهينريتي كونان بيدي زوجة رئيس ساحل العاج الذي اطيح به في انقلاب عسكري اواخر العام الماضي, وأسماء أخرى لأنصار وأقارب بعض الزعماء الأفارقة المعروفين وغير المعروفين. كنت أظن أننا أهداف لمثل هذه العصابات الافريقية المتخلفة وبائعات (الولاعات) الصينيات اللائي يجبن المقاهي, وأن أساليب النصب الاوروبية الحديثة لم تصل إلينا بعد حتى تعرضت لموقفين أكدا لي أننا قد دخلنا عصر العولمة من باب أساليب النصب آنفة الذكر. في الموقف الأرضي لأحد المراكز التجارية الكبرى, وفي ساعة مبكرة من الصباح, وبينما كنت أفاضل وأتخير الموقف الأنسب للمدخل الأقرب للمحل الذي كنت أقصده, والمكان يكاد يخلو من السيارات في هذا التوقيت المثالي للتسوق وليس التسكع, اذا بسيارة تنطلق نحوي من ركن قصي بالموقف, وتقف خلف سيارتي ليترجل منها شخص ذو ملامح اوروبية لا تخفى, ويقدّم نفسه لي على أنه فنان تشكيلي, وقد كان في زيارة قصيرة للبلد اقام خلالها معرضا لرسوماته, ولان هذا هو اليوم الاخير لاقامته, وقد تبقت من مجموعته ثلاث لوحات ثمينة مضطر لبيعها بسعر اقل من سعرها الحقيقي فقد وقع اختياره عليّ لما توسمه في شخصي من حسّ فني راق وتذوق يجعلني لا أبخس اللوحات حقها, غير أنني ـ غير آسف ـ خيّبت ظنه ولم أستجب للاطراء الذي حاول ان يستثير به غروري ويلعب من خلاله في المنطقة الوسطى بين السذاجة والفطنة. كان ذلك هو الموقف الاول.. اما الموقف الثاني فهو لا يختلف كثيرا عن الذي رويت سوى في بعض التفاصيل, حيث كان مكانه شارع الضيافة وكان زمانه ليلاً, اما البضاعة فقد كانت هذه المرة مشغولات ذهبية تباع بداعي السفر أيضا. وبأساليب النصب هذه نكون قد انتقلنا من الحقبتين الافريقية السمراء والصينية الصفراء الى الحقبة الاوروبية الشقراء نقلة حضارية تخلّصنا من الوقوع ضحايا للحاجة مريم اباشي وكلير سيسي سيكو لتلقي بنا في براثن انطونيو وروبرتو, وتمحو من الصورة وجه ذلك البلد الوادع الامين الذي لم يعرف أمثال هؤلاء الغرباء يوما.. ولم يكن للدخلاء على ترابه موضع قدم.