تزامنت الزيارة التي قام بها سمو الشيخ محمد بن راشد ولي عهد دبي لبعض الدوائر المحلية, مع برنامج (مرآه) الذي تبثه قناة (الامارات) وقد تناول يومها موضوعا في غاية الأهمية حول اشكاليات الجهاز الاداري في الامارات, واذكر ان حديثا حول الواقع الاداري لدينا كان موضوع هذه الزاوية في الفترة نفسها , الأمر الذي جعل اذاعة الـ (BBC) (هيئة الاذاعة البريطانية) وضمن برنامج (العالم هذا الصباح) تتوجه لي بمجموعة من الاسئلة حول الموضوع نفسه. معدة التقارير الخارجية في الاذاعة, وجهت السؤال التالي: وفقا لهذه الزيارات المفاجئة لدوائر حكومية, ألا يمكن استنتاج اشكالية ادارية عميقة في اجهزتكم الادارية في الامارات؟ واستوقفني السؤال لأنه يأتي من اذاعة معروفة التوجه والأهداف, كما استوقفتني هذه المتابعة الدقيقة لما يجري في واقعنا الداخلي, وكذلك اصرار المذيعة على التوغل في الأمر بأي شكل. أقنعتها ـ أزعم بأنني فعلت ـ بأن كل اجهزة الادارة في العالم تعاني من اشكاليات بيروقراطية, وسلبيات لا حصر لها, وبما أن موضوعنا يتمحور حول جهاز اداري ذي عمر تاريخي قصير, وضمن منظومة تنتمي حتميا للعالم الثالث, فمن الطبيعي الا يسلم من آفات الادارة والعقلية العالمثالثية, واعتقد بأن بريطانيا ذاتها بكل عراقتها وتقدمها وعمقها التاريخي يعاني جهازها الاداري اشكالا مختلفة من البيروقراطية المتجذرة وبترهل في تربة الروتين, ما جعل رئيس وزرائها السابق (جون ميجور) يصر على مبدأ (اعادة اختراع حكومته) ومن هنا اجبر الادارات الحكومية في عهده على اصدار وتنفيذ سياسات واضحة, وضمانات اكيدة لخدمة الجمهور, فكانت النتيجة تحسنا جذريا في مستوى الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة في كافة ارجاء بريطانيا. مذيعة الـ (BBC) سألت: ولكن الا تعتبر زيارات الحاكم نوعا من عدم الثقة في المسئولين؟ ولا ادري من اين جاءت بهذا الاستنتاج مع انها تعيش في عمق نظام سياسي واداري يعتبر المتابعة احد اهم اساسياته, ومتابعة المسئول والقائد والأب والمعلم ومدير الشركة وغيرهم لمن يعملون تحت مسئوليتهم مبدأ اداري انساني سليم جدا لا يمس حساسية الثقة على الاطلاق بل انه يعززها, كما يفعل اساسيات الرقابة والمتابعة و.. لقد اعادني هذا اللقاء وما جاء فيه الى كتاب (التخلص من شبح البيروقراطية) الذي صدر منذ ثلاثة أعوام في الولايات المتحدة من تأليف (ديفيد اوسبورن) مستشار (آل جور) نائب الرئيس الامريكي بيل كلينتون, حيث قرأت فيه عما أطلقه رئيس الوزراء البريطاني السابق (جون ميجور) عام ,1991 وعرف بـ (حقوق المواطنين) في بريطانيا. يعد اعلان (حقوق المواطنين) أحد الامثلة الحضارية الرائعة التي يتوجب بمقتضاه على كل الادارات الحكومية نشر وتنفيذ معايير خاصة لتأكيد جودة الخدمة المقدمة للجمهور, وطريقة تعويض الجمهور عن كل اخلال بمعايير تقديم الخدمة. وعليه فقد ظهرت نتائج تطبيقه بشكل ملموس عندما انخفضت فترات الانتظار بطوابير الخدمة الصحية (المستشفيات) من ساعتين لنصف ساعة, وهبط الوقت اللازم لاستخراج جواز سفر من 95 يوما الى 15 يوما فقط. وصار من الطبيعي ان يتوقع المواطن وصول سيارة الاسعاف في المناطق الحضرية خلال 14 دقيقة وفي الريفية خلال 19 دقيقة, كما أصبح بامكان المريض الدخول على الطبيب في الحال في اقسام الطوارئ والحصول على سرير بالمستشفى خلال ساعتين, اما القطارات فـ 90% منها تصل خلال 10 دقائق من الوقت المحدد, و99% منها تقوم في الوقت المحدد لها, اما اذا زادت المدة عن ذلك فتقوم هيئة السكك الحديدية بمنح المواطن تخفيضا اجباريا عند تجديد الاشتراك. لقد اغمضت عيني وحلمت بيوم يصبح فيه لدينا اعلان مشابه. عائشة ابراهيم سلطان