تحاول الادارة الحديثة ان تعكس ماهو جميل ومثير في وجهها, فتعمد بعد ان ظلت سنين طويلة في اطار الوجه الجامد المتجهم ان تغير صورتها القديمة بأخرى اكثر اشراقا, وحنانا وطيبة وتواصلا.. ومن هنا, من مدخل ما يفرضه الواقع المتغير على الادارة الجامدة اصبح لزاما ان تخلع الادارة المتشددة ثوبها القديم وتستبدله بثوب جديد, وتضع قناعاتها القديمة جانبا وتبدأ بشكل آخر . قد يتساءل احدكم ماهو الوجه الجديد للادارة الحديثة؟ هل المطلوب من المدير ان يترك اعماله الادارية جانبا ويتفرغ لمسايرة هذا الموظف, ومجاملة ذاك؟ العلم الجديد للادارة الحديثة يقول نعم.. بامكان المدير ان يخصص يوما كاملا لمزاولة رياضة التحدث والاستماع وهي رياضة تحتاج الى لياقة وصبر, فالمدير هنا يصبح بمثابة الطبيب النفسي الذي ينفس عن مريضه بالاستماع اليه ومنحه فرصة التحدث اليه عن مشاكله وبثه همومه بأريحية تامة دون ان يجد غضاضة في ذلك. وحتى لا اقف محصورا هنا فيما هو مطلوب من الادارة وما يجب ان يفعله المدير, اتجاوز ذلك الامر الى مجالات ارحب, فالشركات الامريكية والاوروبية العملاقة مثلا تحاول ان تدخل من باب اشاعة اجواء الود والعفوية في اماكن العمل, وهي ليست منزهة في سياستها التواصلية او تفعل ذلك لوجه الله, فقد اكتشفت تلك الشركات ان السعادة في مكان العمل تؤدي الى تدني نسب التغيب وارتفاع الانتاجية. وقد بدأ عدد كبير من الشركات اصدار بيانات دورية حول اساليب تعامل الادارة مع الموظفين, ودلت كل المؤشرات ان تلك السياسة بدأت تؤتي ثمارها فماذا حدث؟ في احدى الشركات وبناء على اقتراح من القائمين على الورش يتعلم الموظفون العمال اعمال بعضهم البعض, فينزل الموظفون الاداريون الى الورشة لتشغيل ماكينات الخياطة من اجل مكافحة السأم وتشجيع التنويع في العمل, وقد ادت هذه الفكرة الى زيادة الانتاجية واخذت تنتشر الى شركات اخرى. وادى هذا التنافس المثير الى محاولات غير مسبوقة وطرح افكارا ثورية في علم الادارة, ومع احترامنا للشعار الذي رفعه قبل سنتين اللواء ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي والذي يقول (الانسان قبل المكان) وجد علماء الادارة الحديثة اهمية ايجاد المكان الذي يساعد الانسان على الانتاجية والعطاء والابتكار لهذا حاولت شركة (اي.بي.ام) التوفيق في هذا الاتجاه بين ضرورات العمل والضرورات العائلية واصبحت اكثر ودية بين موظفيها وعمالها عن طريق الاعتناء بالاطفال في مراكز عملها, بينما اخذت شركة اخرى تبدي اهتماما متزايدا بالعلاقات بين العمل والعائلة, فشكلت قوة عمل خاصة تضم في عضويتها سكرتيرات ومدراء تنفيذيين ومشغلي ماكينات لدراسة الوسائل التي تستطيع بها الشركة حل المشاكل الاجتماعية العائلية التي تمتد إلى أروقة العمل. ومثلما تدلل هولندا أبقارها, تدلل الشركة الأمريكية المتحدة لخدمات التأمين موظفيها البالغ عددهم 13 ألف موظف بمبنى يفوق مجمع وزارة الدفاع الأمريكية بالاضافة إلى ملاعب تنس وكرة قدم, وهرولة وبحيرات وقاعات لمزاولة الرياضة البدنية ومطاعم وأندية لتخسيس الوزن وباحات تتوسط مختلف مجمعات المكاتب تكتظ بالموظفين الذين يأتون خلال ساعات الفراغ لمشاهدة المعارض الفنية والرقصات الفلكلورية, هذا بالاضافة إلى سوبر ماركت يقدم السلع بأسعار مدعمة ومكتبة وعيادة. وتنفق الشركة 19 مليون دولار سنويا لتدريب الموظفين وتهيئتهم للترقية, وينتظم 1800 منهم في دورات دراسة جامعية على نفقتها الخاصة, وترحب الشركة بأي أفكار جديدة يقترحها الموظفون وتحفظها في الكمبيوتر وتكافئ أصحابها. *** عندما بدأ ماكدرموت وهو جنرال سابق في سلاح الجو الأمريكي في طرح أفكاره بُعيد توليه ادارة الشركة في العام 1969 صرخ الكثيرون معارضين تلك الأفكار المثيرة في وقتها والتي قد تخسر بسببها الشركة ملايين الدولارات, إلا ان ماكدرموت أصر على أفكاره وبدأ بتطبيقها متحملا تبعات ذاك التغيير, فماذا حدث؟ ارتفعت قيمة موجودات الشركة من 200 مليون دولار إلى 19 ملياراً, وحولها إلى شركة رائدة وعملاقة في كل شيء بدءًا من سياسة التعامل مع الموظفين مرورا باستعمال تكنولوجيا الكمبيوتر المتطورة حتى تفرع نشاطها وامتد بصورة مذهلة خلال سنوات قصيرة, الذي لا يعرفه الكثيرون ان تلك الافكار كانت احلاما لفراش ماكدرموت. المثير في الأمر ان هذه الشركة تلقت في العام الماضي 35490 طلب عمل لشغل 1285 وظيفة شاغرة, بالاضافة إلى استقبالها سيلا لا ينقطع من رجال الأعمال واساتذة الجامعات وعلماء الاقتصاد والطلبة الذين يعدون الدراسات, جميعهم يأتي لدراسة كيفية نجاح الشركة في تقديم كل هذه العلاوات والفوائد لموظفيها في مرحلة الأزمات المالية التي تضطر الشركات الأخرى الأخذ من موظفيها وعمالها بدلا من اعطائهم. وهناك شركات أخرى بدأت تنوء تحت ضغط العلاوات وما ينجم عنها من أعباء مالية, وأخذت تصرخ كفى, ولكن هناك أصوات تصر على ان معاملة الناس بصورة أفضل واعتبارهم شركاء أو أعضاء في فريق العمل هي الوسيلة المثلى للخروج من مرحلة الركود الاقتصادي. والسؤال الذي يتواصل هنا.. هل تستطيع الادارة العربية ان تغير وجهها المتجهم بآخر أكثر ودا واشراقا, وتطبق فقط واحدا بالمئة من تلك الأفكار؟ يبدو ان الاجابة تحتاج إلى قرن من التفكير وقرن آخر لكيفية التطبيق, بعيدا عن الجودة التي نسمع بها, ونقرأ عنها في الصحف ولا نراها رأي العين, خاصة إذا كانت الافكار هي أحلام فراش متواضع كفراش ماكدرموت!