في السياسة تحديدا, عادة ما تنتهي العواطف, كل العواطف وبسبب بسيط, هو ان المصالح هي التي تدير الاتجاه, وتحدد المواقع, إلا ان التحولات السياسية واختيارها لمواقع محددة متغيرة كلما دعت الضرورة إلى ذلك, لا يلغي وجود حقيقة أخرى اسمها ثوابت الممارسة السياسية , ثوابت تضعها الخلفيات الثقافية وأحيانا الاجتماعية وكثيرا الاقتصادية. هذا المنظور, هو ما تعتمده فرنسا في علاقتها مع العرب, والعرب تحديدا موقع خاص على الشبكة الفرنسية, أولا بالنظر إلى الترابط التاريخي لفرنسا مع العرب, لقد كان المغرب العربي بكامله خاضعا للاستعمار الفرنسي ولأكثر من قرن كامل, كما هو الحال مع الجزائر. وكانت دول الشام القديم عبارة عن محميات فرنسية كما هو الوضع مع سوريا ولبنان, وظلت منطقة المغرب حتى ما بعد استقلال دولها, مركز مصالح ومنطقة نفوذ فرنسية اقتصاديا وسياسيا, وظلت فرنسا أيضا ادارة توازن فاعل ومهم في عمليات صياغات المنطقة الشرق أوسطية, لقد ظلت فرنسا صوتا حليفا للبنان في لجنة تفاهم ابريل الدولية لوقف اطلاق النار في الجنوب اللبناني, وكانت فرنسا أيضا حلقة مركزية لكل حالات التوجه الأمريكي باتجاه سوريا, كما كانت باريس دائما هي حلقة الاستئناف والتواصل من وإلى منطقة الشرق الأوسط العربية. لقد ظل نابليون رغم كبير طموحاته التوسعية, فارساً يحلم باقتحام الشرق, وربما لأنه كان بتلك العظمة التي تجعل منه رجل تاريخ فرنسا القديم والحديث, ظل يحلم باقتحام هذا الشرق الكبير بمرجعياته وتاريخيته, الممتدة باتجاه الوراء والأمام إلى ان دخل القاهرة, وبدأت بذلك واستمرت أيضا حكاية فرنسا والشرق إلى غاية صرعة جوسبان قبل أيام في أراضي السلطة الفلسطينية. لقد تنكر جوسبان بخروجه ذلك, لتاريخ وليس لخيارات سياسية, وليس أيضا لتراتبية دستورية تعطي خيارات السياسة الخارجية والعسكرية لرئيس الجمهورية, بدلا من رئيس الحكومة كما يقضي بذلك الدستور الفرنسي, لقد قال جوسبان ما يؤمن به كرجل يساري وما يعتقد به كصاحب جذور اجتماعية محددة, لكن هل جوسبان هو فرنسا.. تلك هي المعادلة صعبة التفكيك والفهم, حتما فرنسا أكبر من جوسبان, و (جوسبان) هو واحد من رؤساء الحكومات الكثيرين الذين يصلون ثم يغادرون بعد حين. عمل ديجول كثيرا لأجل حماية صداقته للعرب, واستمر ديجول في صنائعه في المغرب وتونس وفي الشرق كافة, وظل شيراك وفيا لموطن ميلاده مدينة (مكناس) المغربية, وظلت زوجته وفية أيضا لحي ميلاده المغربي, وظلت (مكناس) أيضا المدينة المفضلة لعطلات شيراك وعائلته, بل أكثر من هذا ان شوق شيراك للمغرب يحمله أحيانا إلى الانتقال خصيصا إلى المغرب لتناول وجبة غداء مع الملك والعودة سريعا إلى باريس. هل فهمتم الآن لماذا يختلف وضع فرنسا مع العرب. وللحديث بقية.