توقفت عيناي على نتائج الاستفتاء الذي اجراه المعهد الامريكي للسينما تحت عنوان (مئة عام.. مئة فيلم) وذلك لاختيار افضل مئة فيلم امريكي انتج الى سنة 1996 وهي السنة التي بدأت فيها عملية الاستفتاء وقد ضمت القائمة الاولية للاستفتاء حوالي اربعمئة فيلم, وارسلت القائمة الى اكثر من الف وخمسمئة ممثل ومخرج وفني وناقد , وكانت النتيجة مئة فيلم ترتبت ترتيبا تنازليا, وقد جاءت في الصدارة الافلام التالية: المواطن كين 1941, كازابلانكا (الدار البيضاء) 1942, الاب الروحي 1972, ذهب مع الريح 1939, لورنس العرب 1962, ساحر اوز 1939, الخريج 1967, قائمة شندلر 1993 الغناء تحت المطر1952, انها حياة رائعة 1964, شارع الغروب 1950, جسر على نهر كواي 1957, البعض يفضلونها ساخنة 1959, حرب النجوم 1977, كل شيء عن حواء 1950, الملكة الافريقية 1951, نفوس معقدة 1960, تشينا تاون (الحي الصيني) 1974, طائر فوق عش المجانين 1975, عناقيد الغضب 1940.. الخ. وتمضي القائمة على النحو السابق, تتراتب تراتبا فنيا لاعلاقة له بتاريخ الانتاج, فأول فيلم في القائمة هو فيلم (المواطن كين) الذي قام بإخراجه وبطولته اورسون ويلز سنة 1941, بينما يأتي في المرتبة الثانية والعشرين فيلم (اوديسا الفضاء) الذي ظهر سنة 1968, وبعد فيلم (سائق التاكسي) الذي انتج سنة 1967, وترتيبه السابع والاربعون يأتي فيلم (الفك المفترس) الذي انتج سنة 1975, ثم فيلم (سنو وايت والاقزام السبعة) الذي انتج سنة 1937, وينطبق الامر نفسه على فيلم (فورست جم) الذي انتج سنة 1994, وترتيبه الحادي والسبعون, حيث يأتي بعده فيلم (مرتفعات وذرنج) الذي انتج سنة 1939. واعترفت انني قرأت القائمة مرات, وكنت في كل مرة اعاود اختبار ذاكرتي فيما تحتفظ به من أسماء الافلام التي تركت أعمق الاثر في نفسي حين شاهدتها, او اسماء الافلام التي ارتبطت بذكرى خاصة, محاولا التمييز بين ما شهدته في مصر وما شهدته في رحلاتي العديدة الى الخارج, او اقامتي في الولايات المتحدة او السويد, حيث عملت استاذا زائرا لاكثر من مرة. وكنت افعل ذلك في حماسة مبعثها حبي للسينما, وتقديري لدورها الذي اخذ ادراكي له يتزايد, خصوصا بعد ان قرأت ما كتبه مؤرخ الفن الشهير ارنولد هاوزر في نهاية كتابه الموسوعي (التاريخ الاجتماعي للفن) عن (عصر الفيلم) بوصفه ـ اي الفيلم ـ الفن الصاعد في عصر الديمقراطية الجماهيرية, فالفيلم هو المحاولة الاولى, منذ بداية الحضارة الحديثة, لانتاج فن للجماهير العريضة. وقد شغفت مثل غيري من الجماهير بهذا الفن الذي اخذ يتطور تطورا متسارع الايقاع في القرن العشرين, مفيدا من كل وسائل التقدم التكنولوجي واختراعاته, جامعا في ثناياه اكثر من نوع من انواع الفنون وأجناسها, فالفيلم يأخذ براعة التمثيل من فن المسرح ويطورها في سياق تقنياته الخاصة, ويأخذ من الموسيقى ايقاعاتها التي تتمازج مع الاحداث, كما يأخذ من الرسم المشاهد التي تتحول الى لوحات بصرية متتابعة, يفيد من الادب شاعرية الايقاع, فضلا عن القص بوجه خاص. وربما كان الفيلم هو جماع الفنون في تجاوبها وتفاعلها وتبادلها علاقات التأثر والتأثير في كل ما نراه متحركا ومسموعا على الشاشة الفضية التي لا تتوقف عن سحرنا بجمالها النوعي. ولذلك جذبت قائمة الافلام المئة انتباهي اليها, وكان أول ما لفت نظري ان الافلام التي احمل لها ذكرى خاصة في ذاكرتي لقيمتها الجمالية بالدرجة الاولى, والتي كنت اتصور انها ستحتل مراتب الصدارة, لم تكن في المواضع التي توقعتها, بل جاءت بعد افلام اقل منها في القيمة, والاطرف من ذلك ان هناك افلاما حسبت اني سأجدها في القائمة ولكني لم اجدها, مؤكدا ان اختلاف الاذواق وارد, وان الذوق الامريكي غير الذوق العربي, لكن توقعاتي لم تجد ما يشبعها تماما في هذه القائمة. ورغم انني لست من المتخصصين في نقد السينما, وعلاقتي بها تقتصر على الهواية, فانني لم اقتنع بتقديم فيلم (كازابلانكا) الذي يأتي الثاني في الترتيب بعد فيلم المواطن كين ـ على كل افلام السينما في القرن, فهناك افلام كثيرة افضل منه فنيا اذكر منها عفو الخاطر (اوديسا الفضاء) الذي يحتل المرتبة الثانية والعشرين, او (صمت الحملان) الذي يحتل المرتبة الخامسة والستين وبالطبع لم اقتنع بوضع (طائر فوق عش المجانين) في المرتبة العشرين او وضع (قصة الحي الغربي) في المرتبة الحادية والاربعين ولا وضع فيلم (البرتقالة الآلية) في المرتبة السادسة والاربعين او وضع فيلم جيمس دين (ثائر بلا سبب) في المرتبة التاسعة والخمسين او (اماديوس) الذي احتل المرتبة الثالثة والخمسين, و(الرقص مع الذئاب) الذي جاء في المرتبة الخامسة والسبعين و(صياد الغزلان) الذي جاء في المرتبة التاسعة والسبعين واخيرا فيلم (سيدتي الجميلة) الذي احتل المرتبة الحادية والتسعين. وقد كان من السهل اكتشاف بصمات اصابع التحيز اليهودي في ترتيب الافلام المختارة في هذه القائمة, خصوصا بعد ان لاحظت وجود فيلم يتميز بانحيازه اليهودي في الافلام العشرة الاولى, ففيلم (قائمة شندلر) يأتي ترتيبه التاسع في القائمة, كما لو كان بمثابة تمهيد لامثال فيلم (بن هور) الذي يأتي متأخرا في المرتبة الثانية والسبعين وفيلم (بن هور) فيلم ديني تاريخي انتج سنة 1959 من بطولة شارلتون هستون وجاك هوكنز وستيفن بويد, ومارثا سكوت, وكاثي اودنيل وقد اخرجه وليام وايلر, ونال الفيلم العديد من جوائز الاوسكار مرة واحدة, وكان حصوله على كل هذه الجوائز حدثا غير مسبوق, له دلالات عدة, منها ـ بالطبع ـ دلالة التأثير اليهودي الذي استغله الفيلم ومارسه في الوقت نفسه. واتصور ان المخرج ستيفن سبيلبرج افاد من تجربة هذا الفيلم حين انتج واخرج (قائمة شندلر) سنة 1993 بتمثيل ليام نيسون وبن كنجسلى وكارولين جودال وغيرهم, وقد حصل الفيلم على سبع جوائز اوسكار مرة واحدة, وكان حصوله على كل هذه الجوائز غير منفصل عن موضوعه الذي يدور حول تهريب مجموعة من اليهود بعيدا عن براثن الافتراس النازي في معسكرات الابادة بواسطة رأسمالي سعى الى انقاذ من يستطيع من النهاية البشعة للتعذيب النازي, ولعل نهاية الفيلم في اسرائيل تشير الى المغزى السياسي المقصود من وراء تعاطفه البالغ مع اليهود. ولحسن الحظ, لم تكن ملاحظاتي على القائمة كلها سلبية, فقد اكدت لي الافلام المختارة, أيا كان اختلاف الأذواق في تقييمها أو ترتيبها, الدور بالغ الأهمية الذي لعبه فن الرواية على وجه الخصوص في تدعيم حضور فن السينما, وبالقدر نفسه الدور الذي لعبته السينما في تطوير تقنيات فن الرواية الحديثة والمعاصرة, ودليل ذلك انتشار روائع الروايات العالمية بفضل الشاشة البيضاء التي نقلت إلى الملايين أعمال كبار كتاب القصة, وترجمت كتاباتهم من لغة السرد الكتابي إلى لغة التتابع البصري, وذلك في مقابل التقنيات التي نقلها فن القصة بوجه عام, والرواية بوجه خاص, عن السينما, خصوصا بعد ان أفاد هذا الفن من تقنيات المونتاج والزاوية القريبة والتناوب والاستعارات وغيرها من التقنيات السينمائية. وقد راجعت أفلام العمود الأول الذي يتكون من أسماء واحد وعشرين فيلما من الأفلام المئة, فوجدت ـ فيما عدا فيلم واحد مأخوذ عن مسرحية ـ ان سبعة عشر فيلما من العشرين الباقية مأخوذة عن قصص أو روايات, ويمكن ان أعد منها فيلم (بن هور) المأخوذ عن رواية الكاتب الأمريكي لويي والاس, وفيلم (الأب الروحي) الذي أخرجه فرانسيس كوبولا سنة 1972 عن رواية ماريو بوزو الشهيرة, وفيلم (ذهب مع الريح) الذي أخرجه فيكتور فليمنج سنة 1939 عن رواية مارجريت ميتشيل, وفيلم (الخريج) الذي أخرجه مايك نيكولاس سنة 1967 عن رواية شارلز ويب, وفيلم (قائمة شندلر) المأخوذ عن رواية (فلك شندلر) التي كتبها توماس كينيلي. وأضيف إلى ذلك فيلم (انها حياة رائعة) الذي انتجه وأخرجه فرانك كابرا سنة 1946 عن قصة (أعظم هبة) التي كتبها فيليب فان دورين ستيرن, وفيلم (شارع الغروب) الذي أخرجه ييلي وايلدر سنة 1950 عن قصة (علبة فاصوليا) وفيلم (جسر على نهر كواي) الذي أخرجه سام سبيجل سنة 1957 عن رواية بيير بولي, وكذلك فيلم (الملكة الافريقية) الذي أخرجه جون هوستون سنة 1951 عن رواية الكاتب البريطاني سيسل سكوت فورستر المولود في القاهرة سنة 1899, وهو غير سلفه الكاتب ادوارد مورجان فورستر المولود في لندن 1879 والمتوفى سنة 1970, صاحب روايات (رحلة إلى الهند) و (نهاية هوارد) و (غرفة ذات منظر) التي أخرجتها السينما العالمية وينطبق الأمر نفسه على فيلم (نفوس معقدة) الذي انتجه وأخرجه الفريد هيتشكوك سنة 1960 عن رواية كتبها روبرت بلوك. وفيلم (طائر فوق عش المجانين) الذي أخرجه ميلوس فورمان سنة 1975 عن رواية كين كيزي, وأخيرا فيلم : (عناقيد الغضب) الذي أخرجه جون فورد سنة 1940 عن رواية الكاتب الأمريكي الشهير جون شتاينبك الذي قدمت السينما الأمريكية العديد من رواياته, ولا اريد ان استطرد في التمثيل, فما ذكرته يكفي في توضيح الدور المتصاعد الذي يقوم به فن الرواية في السينما العالمية التي اسهمت بدورها في تأكيد جماهيرية فن الرواية الذي أصبحنا نعيش في زمنه, حتى لو كره ذلك بعض الشعراء.