استضاف معهد الشارقة للفنون المسرحية أمس الاول الفائزين بالدورة السادسة لجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية حيث كانت جلسة شهادات شخصية عن تجارب المكرمين وهم: محمد عفيفي مطر عن الشعر, ود. عبدالله الغذامي عن الدراسات الادبية والنقد, وفؤاد التكرلي عن القصة والرواية والمسرحية , ود. صالح العلي ود. ناصيف نصار (عن الدراسات الانسانية والمستقبلية). وقد سيطر جو من التشتت على اللقاء وربما يكون مرده الى تنوع الموضوعات التي أثيرت, او عدم القدرة على المتابعة حتى اشباع كل موضوع على حدة. وكان للنقد نصيب الاسد حيث برز د. الغذامي في عفويته وتلقائيته وعمق تناوله السريع للاسئلة التي طرحت من الجمهور. البداية أثقلت على الحضور الذين لم يخفوا تململهم من (محاضرة) طويلة في غير محلها القاها د. عبدالله بنّصر العلوي من جامعة فاس والتي سبقها تسليم هدية تكريمية كان من المفترض ان تقدم للراحل سلطان بن علي العويس في حياته, وقد تلقاها امين عام مؤسسة العويس عبدالحميد أحمد. وفي كلمته تحدث العلوي عن مآثر الراحل والصدمة في فقده, واعلن عن ندوة علمية تخصصية عنه ستقيمها مجموعة البحث المغربية الاماراتية في شهر ابريل المقبل. ادارة الجلسة كانت على عاتق الدكتور علوي الهاشمي الذي اعطى الكلام اولا للشاعر المصري محمد عفيفي مطر, والذي بدوره اعطى شهادة مكتوبة عنه لم تفلت من الاسار الشعري, ذلك انه لا يتصور نفسه الا قارئاً للشعر. وحاول في كلمته, والتي ظهرت على صفحات احدى الجرائد المحلية منذ يومين, ان يلخص محطات في حياته منذ مخاض ولادة امه في الحقول حيث حمل من تلك اللحظة وشماً جسدياً وروحياً لا يزول, وحكى عن بدايات تفتح وعيه وعن الديوان الذي كتبه اولا ولم يتح له مجال النشر الا بعد اربعين سنة, وعن تأثره بالتراث المصري والعربي والثقافة الاغريقية ومدارس الجدل والتفلسف والتصوف الاسلامي. كما عرض للاحداث التي انعكست على نفسه وقصائده. وكشف عن مشروع للكتابة للاطفال هو بصدده وديوان لم يكتمل بعنوان (معلقة دخان القصيدة) . وتوقف عند قناعة كانت لدى والده بأن رجال الاسرة يموتون عند الثامنة والستين, وهو لا يستبعد هذا القدر عنه شخصياً. وخلص الى ان امامه ثلاث سنوات فقط سيقطعها ساعياً على قدميه كالحشرة الدؤوب! ثم كانت وقفة مع د. عبدالله الغذامي دون ان ندرك الاساس الذي استند اليه مدير الجلسة في تقديم مكرم على آخر. واستصعب الغذامي الحديث عن نفسه هو الذي اعتاد ان يتكلم عن الآخرين واعمالهم. وراح يجول في ذاكرة الطفولة حين كان فتى تعرف على الكتب في سنّ مبكرة بسبب حرص والده الشديد على تجنيبه الشارع ومساوئه فأبقاه داخل اسوار البيت. (لقد نشأت في العنيزة مدينة امرئ القيس, وعنترة بن شداد, والاعشى. بدأت مع الكتب التراثية فيما كان رفاقي يقرأون الروايات وكنت ارى غير ما يرون. ولمّا دخلت المعهد العلمي تأسست اذاعة مدرسية كانت تستقبل اسئلة الطلبة, وطرحت آنذاك على استاذي سؤالاً حول من اول من كتب الشعر الحر. واخذ يعنفني لأنه لم يجد الجواب وكان ذلك في العام 1962. وبعد ثلاث سنوات, التحقت بالجامعة وعرفت ان نازك الملائكة وبدر شاكر السياب هما اول فاتحي طريق الشعر الحرّ. وصارت تحضر إلي نازك في عدة مناسبات, حيث ظهرت خلال بعثتي الى جامعة (ادنبرة) في بريطانيا في رسالة كنت اعدها, ثم انصرفت عن الموضوع وعدت للعمل في جامعة سعودية واعددت اول بحث عن الشعر الحرّ ثم دخلت عالم النقد النصوصي والألسني. وعادت شكوكي عن الشعر بعد دعوة وجهت الي من مصر عام 1996 للمشاركة في ندوة وقدمت, بعد تردد, ورقة حول تأنيث القصيدة. وارى اننا نحتاج الى نقلة من النقد الادبي الى النقد الثقافي) . اما فؤاد التكرلي فقدم (انعكاسات) حيث وجد ان يتحدث عن موضوع قديم جداً كان يحس به احساساً مبهماً ولا يعترف به اذ كان يستمع الى همسات متقطعة ولكن مستمرة توجهها اليه اعماله القصصية التي تحرر منها. ويقول ان حياته لم تحفل بالمفاجآت المسلية او الانجازات العظمى او النقاط الساطعة. وكان عنوان اول اقصوصة كتبها (العيون الخضر) (1950) وكانت مبنية على افتراضات نظرية عن اللغة والحوار واتجه بعدها الى وجهة كتابية اخرى. ووجد ان القصة الاولى كانت درساً ذاتياً. ثم كانت رواية (الوجه الاخر) (1959) لتؤكد صحة منهجية العمل الاول وبدأ التفكير في (الرجع البعيد) حيث بقيت في فرنسا افكر بالتقنية المناسبة للمادة الخام الثرية التي كانت بحوزتي ونشرت في العام (1980) وكانت رسالتها ان دائرة هذا المنهج القصصي قد انغلقت ولا مجال مرة اخرى لاعادته والا دخلت في نفق التكرار الذاتي المهلك. وتمخض عنها ايضا سؤال فريد ذو شطرين, الاول هل يمكن قلب الصفحة الماضية ككاتب روائي وايجاد فرضيات فنية اخرى تعبر بواسطتها عن تغير القيم والعالم المعاصر؟, والثاني هل باستطاعتك تجاوز نفسك ادبياً والتساوق مع حقائق الخلق الادبي الصعبة التي تتطلب من الكاتب التجدد والاختلاف. وبعدها كانت ولادة رواية (خاتم الرمل) سنة 1995 ثم (المسرات والاوجاع) . وختم بالقول (ماتزال هذه الرواية توشوش في اذني وتعكس لي بعض اصداء تجربتي معها... ومرة اخرى حين حدثتني هذه الاعمال برجع صدى جميل عما نجحت فيه وعما لم أنجح, وفي الحالتين لم اكن, والحمد لله, انساناً شقياً. د. صالح العلي اسهب في الحديث عن التاريخ الذي هو بنظره دراسة نشاط الانسان الذي يعيش في المجتمع, والمعلومات فيه تعتمد على المصادر ومصادرنا ناقصة قليلة واوضح ان العادة درجت على تسمية التاريخ بجوانب السياسة واعمال الحكام او الانقلاب عليهم. واعتبر ان الاهم هو النظرة الشاملة واستيعاب كل جانب وتقدير اهميته ضمن الاطار العام. ويرى العلي ان المجتمعات البشرية اصناف, وان نماذج الحضارات انهارت باستثناء تلك التي تهتم بسلوك الانسان وعلاقته مع افراد المجتمع. وركز على مسألة انتشار الاسلام بسرعة بين طبقات الناس دون اسناد من الحكام. وفي معرض حديثه, قال د. ناصيف نصار ان الفلسفة هي محاولة جواب عن سؤال والذي هو المبرر الوجودي لقيام الفلسفة, وهناك اسئلة دائمة او مستأنفة او طارئة. واوضح انه انطلق من (كيف التفلسف عربياً في النصف الثاني للقرن العشرين وربما النصف الاول من القرن الواحد والعشرين؟) . وتساءلت عن ماهية الفلسفة فعرفت وجوب تمييز فعلها عن ثلاثة نشاطات فكرية تختلط احيانا وهي ميدان التأريخ للفلسفة, وميدان الايديولوجيا, وميدان الفعل العلمي بالمعنى الوضعي للكلمة. وقال انه شدد على مسألة السلطة واستند الى مقدمة ابن خلدون ليتوصل الى ان الحكم والدولة تعبير عن السيطرة لا السلطة. وهو منكب حاليا للبحث في مشكلة الوجود التاريخي. وحينما دار النقاش تولى د. الغذامي الاجابة عن قسم كبير منه وقال ان الجماليات الشعرية تخفي تحتها عيوباً نسقية اسهمت في تشكيل الشخصية العربية وأدت الى شعرية الشخصية والقيم والوجود. وردّ عليه الكاتب حنا مينه باتهام النقد بالتقصير عن الابداع العربي حيث قلة يحسنونه. فأجاب ان اهم عوامل التقصير انه منذ اول محاولة وعي لتاريخ الابداع ارتبط بالشعر فأعماه عن اشياء كثيرة مثل الرواية فلم يطرقها النقد وان فعل فمتلبساً بالشعر, لذلك نحتاج الى الانتقال الى رؤية نقدية جديدة. واعتبر ان عيوب الشعر عالمية لذا فترجمته لن تغير في الوضع. أما محمد مطر فأكد ان شرف المحاولة يكفيه وهو متوقد وحي وحياته رحبة, ولكنه يحس انه يكتب لقلة, مع انه كان يتصور ان الشاعر يحدث أثراً نفسياً وجسدياً في المتلقي. وقال د. نصار بامكانية انشاء نظرية شمولية فلسفية عربية بشرط ان تعالج مشكلات محددة, وشدد على الفائدة العملية للفلسفة ودورها الفاعل في المجتمعات, فالغرب اليوم يعتمد عليها في السياسة والعلاقة بالاعلام والبيئة وغيرها من الموضوعات الحياتية. كتبت ـ رندة العزير