جوزيف روث واحد من أعلام الأدباء الذين كتبوا في القرن العشرين باللغة الألمانية.. وحين كان جوزيف روث في العشرين من عمره اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى, الحرب العظمى كما تسميها أدبيات السياسة العربية, ولأن روث اشتغل أيضا بالصحافة فقد اشتهر عنه تعبير دقيق وبليغ يبرر فيه لماذا اطلق الناس على تلك الحرب الضروس المطولة التي دامت أربع سنوات تعبير الحرب ..العالمية, وفي هذا يقول جوزيف روث: (انها حرب عالمية, لا لأن دولا كثيرة انخرطت في غمارها, ولكن لأنها تسببت في ضياع عالم بأسره, هو عالمنا نحن الذين عاصرناها وعشناها.. وهو عالم امبراطورية النمسا والمجر الذي ضاع واندثر وزالت معالمه بعد ان وضعت تلك الحرب العالمية أوزارها. ولقد كان للكاتب المذكور كل الحق في ان ينعى ضياع عالم الامبراطورية الوسط ـ أوروبية التي حكمتها أسرة الهابسبورج على امتداد عشرات السنين وكانت خلالها رمزا لابهة الملك وعظمة السلطان وآية على المجد والمنعة والترف وسابغ النعمة والازدهار وهي نعمة كانت تستظل بفيئها أقطار وامصار شتى تمتد من شرق أوروبا حيث أوكرانيا الروسية الحالية وفي ارضها ولد صاحبنا جوزيف روث نفسه وفي حدود ألمانيا التي كانت بدورها امبراطورية يحكمها قيصر ويدير أمورها مستشار, وقد اشتهر بين القياصرة المعاصرين حاكم هو غليوم الذي زار الشرق العربي. واشتهر بين المستشارين بسمارك الذي استخدم الحديد والنار دون ان يبالي لأنه كان بصدد مشروع نهضوي جلب على بلاده بروسيا خيرا عميما وكثيرا هو مشروع الوحدة الألمانية وبين اوكرانيا وبروسيا, كانت عاصمة امبراطورية النمسا والمجر, فيينا عروس وسط أوروبا وحاضرتها الباذخة المترعة بأسرار الترف الامبراطوري والابداع الفكري والفني وخاصة في مجالات المعمار والموسيقى والليالي المفعمات بايقاع الفالس وأنغام موتسارت وسحر حسناوات جبال التيرول.. ليالي الأنس التي مازالت ترن بالنغم الشجي العذب في الأذن العربية بفضل أشعار رامي والحان فريد الاطرش وشدو أسمهان. الحياة المبهجة الحافلة في فيينا علمت فليب روس كيف يكتب الرواية والمهنة الصحفية علمته ان ينطلق سائحا متجولا باحثا عن لقطة أو موضوع يوافي به الصحف الألمانية الكبرى التي كان يراسلها, وعندما صعد هتلر إلى السلطة في برلين.. آثر روث ان يقيم في باريس حيث كان الناس يطالعونه وقد آوى إلى مقعد أثير في مقهى دي لايوست قرب حدائق لوكسمبورج الشهيرة في عاصمة الفرنسيين وفي يده قدح من شراب وعلى لسانه عبارات التأييد لا لما تبقى من امبراطورية الهابسبورج التي دالت دولتها وفي جيبه أكثر من مشروع لرواية يكتبها ويصدرها للناس حول أيام الامبراطورية, وحوليات عزها ومشاهد مجدها المؤثل القديم, كأنما كان الفنان يعمد إلى تجسيد لحظة من التاريخ الجميل ويستقطر منها بالقلم المبدع والخيال المحلق كل ما احتواه الماضي المفعم بالاسرار من رحيق. وسط هذا الحنين إلى ما مضى, لم يدفع روث إلى ان يزور ماضي الامبراطورية النمساوية القريب فقط, بل دعاه إلى ان يزور ماضيا جميلا في العالم القديم أو الوسيط, وبالتحديد العالم المشرقي ـ العربي ـ الاسلامي الذي أبدع كتاب ألف ليلة وليلة, هكذا أصدر في عام 1939 آخر الأعمال الروائية للكاتب جوزيف روث وهو بالمناسبة العام الذي شهد رحيله عن دنيا الأحياء واختار له العنوان الذي ألمحنا إليه في حديث سبق وهو: (حكاية الليلة الثانية بعد الألف) وكأنما كان الكاتب الألماني يلمح إلى انه بصدد زيادة على مشروع العبقري العربي المجهول الذي أبدع (ألف ليلة وليلة) أو بصدد اضافة معاصرة إلى السفر الروائي العربي المضمخ بالسحر والحافل بالأسرار. وفيما دارت أحداث الليالي الواحدة بعد الألف في مواقع المشرق العربي.. بين بغداد والقاهرة وما بينهما.. فقد دارت حوادث الليلة الثانية بعد الألف في فيينا التي شغف المؤلف بها, شوارعها ومنتدياتها وسراياتها ومغانيها وأسمارها التي كانت تشهدها مواقع شتى, بين صالونات القصور أو فوق سفوح جبال التيرول أو على ضفاف نهر الدانوب. والحاصل ان المؤلف استوحى في ليلته الثانية بعد الألف واقعة تاريخية حقيقية هي زيارة حاكم شرقي وقتها هو شاه فارس إلى العاصمة النمساوية في عام 1873م هكذا كان دأب الروائي ان يقتنص اللحظات المنقضية, بل الهاربة من دورة التاريخ, كأنما اختار ان يجمع بين الأبهة الامبراطورية الشرقية التي كانت ثم بادت في ايران وبين العز الامبراطوري الذي كان ثم زال بدوره في النمسا.. وذلك من خلال لقاء عاهلين هما الشاهنشاه الضيف والامبراطور النمساوي ـ المجري المضيف, ولأن الحكاية ـ ألف ليلة المعاصرة تروي قصة فيينا, وكانت مدينة ليالي الأنس واللهو والمتعة والفن, فقد اختار المؤلف الروائي ان ينسج خيوطها حول بطلي الرواية, فتاة رائعة الحسن اسمها (ميزي) ساقتها أقدارها إلى ان تقع في غرام ضابط فارس في الحرس الامبراطوري, وكان لسوء حظها زير نساء.. وكن كثيرات.. وراغبات وكان هو عاشقا بغير ضمير وسرعان ما أوقع الجميلة الساذجة في حبائله فاستولدها طفلا غير شرعي وما لبثت ان أفضت بها المقادير إلى العمل في مرابع الليل, وعندما جاء الشاه إلى فيينا دفعته رغبته في مصاحبة احدى نسائها.. وفي احدى الحفلات المخملية كاد ان يختار عقيلة البارون الارستقراطي تاتفغر الذي عمد بدوره إلى احباط هذا الاختيار فقدم للزائر الشرقي الفتاه (ميزي) مستغلا في ذلك تقارب الشبه بين الاثنتين وإذ وقع الشاه في غرام (ميزي) دون ان ينتبه إلى الخديعة فقد عاد إلى بلاده ليرسل إليها عقدا من اللؤلؤ الثمين والمميت أيضا إذ تنفث حباته السم الزعاف إلى من يتناوله أو يلامسه, سما خبيثا متدرجا لا يطلع على أسراره أحد ولأننا ـ مع المؤلف الألماني الأصل ـ نخوض عالم ألف ليلة, فإن مغاليق هذا العالم السحري تنفتح أمامنا فإذا بنا بازاء مشاهد المتعة الحسية بغير حدود, وقد اختلطت بأحابيل التآمر.. وشجاعة الفروسية ومكائد البلاط وجبن الخديعة وإذا بنا في الترجمة الانجليزية المفسِّرة والبليغة ـ نلهث وراء الأحداث حيث تنتقل حبات اللؤلؤ المسموم من يد إلى أخرى وحيث الشخصيات التي نعايشها تدخل السجن وتقدم على الانتحار أو تسقط في هاوية التدمير للذات, وهي في كل حال تعكس سواء في فارس أو في فيينا ما ظل المؤلف ـ جوزيف روث حريصا على تصويره وهو عالم الامبراطوريات الذي كان شاهدا على عصر القوميات في القرن التاسع عشر ثم بدأت شمسه تغيب مع العقود الأولى من القرن العشرين وكانت أولى مراحل المغيب هي انفجار الحرب العظمى الأولى ـ الحرب التي سميت عالمية لأنها اضاعت عالما بأسره, كان ينتمي إليه المؤلف نفسه ـ وكان عالما من البذخ والترف والأبهة.. وأيضا كان منغمسا في المكائد ضالعا في المؤامرات.