ما يحدث في الشيشان, شيء يتجاوز التصديق أن يتعامل العالم بكل هذه السلبية إلى مأساة إنسانية تحدث في جزء منه, جميعنا يدرك أن عالم اليوم خاضع للعبة الحسابات الممكنة وغير الممكنة من الخيارات والمواقف, فحتى العواطف الانسانية وللأسف الشديد, اصبحت تخضع للعبة الحساب الممكن وغير الممكن , فهي اخذت صفتها هذه من عالم السياسة الحافل بالخيبات والنكبات. لقد صمت العالم في بداية الهجوم الروسي على منطقة القوقاز ولم يأخذ الامر مأخذ الجدّ, واعتبر ان ما يحدث لا يعدو سوى أن يكون واحدة من شطحات الرئيس يلتسين الداخلية أمام تفاعلات الساحة الروسية الداخلية غريبة التفاصيل والتراكيب, الا ان الذي حدث اولا في انجوشيا المجاورة, انتقل بعدها إلى الشيشان وصار منطلق الصراع هو جروزني, في الوقت الذي كانت فيه جروزني لا طائل لها في صراع يحدث في دولة مجاورة. وتأكد يوما بعد يوم أن حملة الروس في الشيشان تخفي اكثر من حقيقة واحدة, أولها ان صراع الطموح في الكرملين انفجر عسكريا في منطقة القوقاز, إلى أن اسقطت حرب القوقاز يلتسين من عرشه الكبير, حتى وان وجد الرئيس المستقيل اعذارا اخرى لخيار مغادرة الكرملين, فالحقيقة ان حرب القوقاز حتما تلقي بظلالها على هذه الاستقالة, وان سعى الكرملين إلى اقناع العالم بغير ذلك, بعد ذلك يتضح ايضا ان محنة القوقاز بكاملها وبكل مآسيها الانسانية الفظيعة والتي تتجاوز الاحتمال, ليست سوى حملة انتخابية مطبوخة عسكريا ومدرعاتيا من قبل شخص بوتين الذي يعتمد خيار النار والقنابل اولا لاقناع الروس انفسهم بأنه المنقذ الافضل لامجاد روسيا المهدورة في رعونة يلتسين شخصيا وفي جبال الشيشان عسكريا, وهي ايضا رسالة رجل المخابرات الروسية المتهاوية سقوطا لاقناع العالم بضرورة اعادة حساباتها تجاه روسيا, خلال ذلك ولاجل ذلك ايضا لا يهم كم ستدفع جمهورية الشيشان من فاتورة ارواح, ومأساة, ولا يهم ايضا اي الوسائل تكفل تحقيق هذه الغاية. ولكن الغريب.. إذا كان هذا هو خيار بوتين وروسيا داخليا, لماذا هذا الموقف البارد من بقية العالم, مقارنة بنقاط اخرى مثلا, ألا تشبه التصفية العرقية التي ينفذها الجنود الروس حاليا ضد سكان القوقاز, تلك التصفية العرقية التي خاضها الصرب ضد سكان كوسوفو, ثم اذا كان العالم قد تعامل إلى ميلوسيفيتش على انه مجرم حرب, فلماذا لا يعامل العالم القائمين والصانعين لازمة الشيشان على انهم ايضا مجرمو حرب؟ اعرف انا وتعرفون انتم ايضا الاجابة لهذه التساؤلات, لقد تبادل الامريكيون والروس المواقع, وبتبادل المواقع تبادل الصمت والتأييد صمت الروس في كوسوفو, وصمت الروس في العراق, مقابل صمت الامريكيين في القوقاز, هذه بتلك حتى وإن تجاوز الروس الخطوط الحمراء في القوقاز بارتكاب الفظائع في حق المدنيين الشيشانيين الابرياء, الا ان ذلك لم يحرك الامريكيين الا في الحدود التي تؤكد ان السيدة اولبرايت امرأة بقلب وصاحبة ضمير. وفي انتظار يقظة قلب المرأة العطوف في اولبرايت, على الشيشانيين ان يموتوا بردا وجوعا, لسبب واحد أن بوتين يريد ان يكون رئيسا لروسيا (وإيه يا دنيا) .