بفن ومهارة استطاع المصريون ـ كعادتهم ـ أن يجعلوا من (الخلع) حديث الشارع العربي خلال الاسابيع الماضية وربما اللاحقة, حتى طغى على كل حدث وغطّى على كل حديث في مصر وخارجها بعد أن تم إقرار مادته ضمن قانون الاحوال الشخصية الجديد الذي سيطبق اعتبارا من اول مارس المقبل , حيث شهد القانون صراعات امتزج فيه الجد مع الطرافة بين مؤيد لمادة (الخلع) ومعارض لها, وارتفعت وتيرة النقاش لتتحول في بعض الاحيان إلى صراخ وصل الينا داخل البيوت بفضل مهندسي ثورة الاتصالات وبركة دعاء والديهم التي كاثرت من الفضائيات وجعلتها تبحث عن (جنازة) كي تشبع (لطما) , ولان في اقرار القانون انتصارا لاحد طرفي ابطال قصة (الحرب والسلام) أو لعبة القط والفأر على هذا الكوكب الكوني, وهما المرأة والرجل, فقد اكتسى الموضوع اثارة لذيذة وشدا وجذبا وقف البعض منه موقف المتفرج بينما انغمس البعض فيه حتى النخاع خالعا أو مخلوعا وبينهما شامت, فالمؤيدون يرون أن هذا القانون سوف يسهم في سرعة الاجراءات القضائية مقللين من المخاوف التي تثيرها مادة الخلع نظرا للضوابط التي تحتويها المادة وما يسبق تطبيقها من محاولات للصلح, كما يرفض المؤيدون الضجة الاعلامية التي صاحبت صدور القانون قائلين إن (الخلع) حماية للمرأة والاسرة من الزوج المتغطرس الذي لا يراعي الله, وانه جاء لينصف نوعية معينة من النساء هنّ الكارهات للحياة مع ازواجهن والعاجزات عن اثبات الضرر الواقع عليهن, أو اللائي يخجلن من ايضاح هذه الاضرار, اما المعارضون فيقولون ان الخلع الذي اجازته الشريعة كان استثناء وكان برضاء الزوج وليس رغما عنه, كما يقول المعارضون ان المرأة بطبيعتها عاطفية ومتسرعة, وان اقرار هذا القانون سيؤدي إلى أن كل زوجة تختلف مع زوجها خلافا اسريا عاديا ستسعى إلى طلب الخلع, مما يخشى معه اساءة استعماله من قبل الزوجات واعتباره اسهل واول طريق يفكرن فيه عند أول مشكلة أو صعوبة تقابلهن في حياتهن الزوجية, ليس هذا فحسب بل قد يكون ورقة تهديد في يد الزوجة تلوّح بها فتثير انفعال زوجها فيهدد هو الاخر ويحدث ما لا يحمد عقباه. أما اطرف ما قاله احد المعارضين لهذا القانون فهو قول رئيس محكمة الاستئناف المصرية ان المرأة سوف تكتشف مع مرور الايام ان قانون الخلع هو اكبر مقلب لها, لأنها عندما تلجأ إليه للتخلص من زوجها فسوف يجعل هذا موقفها حرجا في المجتمع, وسيتردد أي رجل آخر في التقدم للزواج منها خوفا من حدوث الشيء ذاته معه, ويقول ان هذا القانون سيفتح بابا للتلاعب بالازواج, فعندما تقع الزوجة في حبّ شخص اخر غير زوجها ـ وهذا وارد ـ فلن تضطر إلى قتل زوجها كما كان يحدث من قبل, ولكنها ستلجأ فورا إلى الخلع, وهذا بالطبع ستكون له اثار سيئة على المجتمع. اقرار القانون الجديد متضمنا حق الزوجة في (خلع) زوجها احدث في المجتمع المصري زلزالا مازالت توابعه تتوالى حتى الان, إذ سارعت وفاء سعد جبر إلى دخول التاريخ من بوابة (الخلع) مسجلة اسمها كأول صاحبة دعوى خلع ترفع طبقا للقانون الجديد, بينما قدر عدد السيدات اللائي يقفن في طابور الانتظار لرفع قضايا مماثلة بمليون ونصف مليون سيدة. القانون الجديد كان مادة خصبة ايضا لزملائنا كتاب المقالات والاعمدة والزوايا في الصحف المصرية, لاسيما الظرفاء منهم, والظرف سمة غالبة لدى أخوتنا في مصر يشترك فيها بواب العمارة وسائق التاكسي مع الطبيب واستاذ الجامعة, فما بالك بمن يحمل قلما ساخرا يجدها فرصة سانحة لهمز الازواج وغمزهم بعد ان اصبح موقفهم في غاية الحرج وغدا مستقبلهم في مهب الريح, يُخشى ان تعصف به لحظة غضب من زوجة مقهورة أو مبهورة بالسلاح الفتاك الذي وجدته فجأة في يدها لتشهره كلما بدت من الزوج بادرة تمرد أو لحقت به شبهة عصيان لحرمه (الخالعة) المصون. (فوبيا) الخلع هذه التي اجتاحت الازواج في مصرنا العزيزة جديرة بأن يتحسب الجميع لها, فالزفّة التي حظي بها القانون هناك ايقظت فتنا كانت نائمة هنا, وفتّحت عيونا مغمضة كان غائبا عنها أن هذا السلاح موجود في يدها منذ أمد بعيد, واذا كانت وفاء سعد جبر قد بادرت إلى خلع زوجها وهي لا تكاد تملك من حطام الدنيا شيئا فماذا ستفعل سيدات الاعمال من نساء العرب وقد اصبحن يشكَّلن قوة اقتصادية متنامية في ظاهرة تبعث على القلق واعادة النظر في الحسابات القديمة؟ هذا القلق مبعثه تقرير نشر منذ ايام يقول ان ما تملكه السيدات في احدى دول الخليج من شركات يمثل 4.3% من اجمالي المشاريع المسجلة في تلك الدولة, ويبلغ عدد هذه الشركات 1500 شركة في مجالات التغذية والرياضة والتجميل والاثاث والديكور ولعب الاطفال. وهناك 5500 سجل تجاري لمشاريع تجارية نسائية في قطاعات تجارة التجزئة والمقاولات والبيع بالجملة والصناعات التحويلية. كما تشير البيانات إلى أن عددا من سيدات الاعمال في تلك الدولة بدأن في اجراء دراسة لاقامة مشاريع صناعية تعتمد على العمالة النسوية لاستيعاب الاعداد المتزايدة من خريجات الجامعات والمعاهد الفنية. وفي السّياق نفسه جاء الاعلان عن تأسيس (مجلس سيدات الاعمال العرب) في القاهرة مؤخراً ليعكس الدور المتنامي للنساء في النشاط الاقتصادي في العديد من الدول العربية, خاصة وانهن يشكلن اكثر من نصف السكان وما نسبته 24% من القوى العاملة العربية, ويملكن حوالي 27% من المؤسسات التجارية في العالم العربي, وتزيد قدرتهن الشرائية على عشرة مليارات دولار سنوياً. اما على المستوى العالمي فقد اعلن عن تأسيس الشبكة العالمية للنساء في عالم التجارة في مؤتمر نسوي دولي عقد في لندن تحت شعار (المرأة والسوق العالمية) شارك فيه حوالي خمسمئة سيدة من بينهن سيدات اعمال عربيات, وتهدف الشبكة لافادة سيدات الاعمال المرتبطات بها بالترتيبات الجديدة والاتفاقيات التجارية التي تطرحها منظمة التجارة العالمية كوسيلة لاعداد المرأة في قطاع المال والاعمال للتحديات المقبلة ضمن الواقع الاقتصادي العالمي الجديد. وفي ظل هذه المؤشرات نجد أنفسنا مضطرين للعودة مرة اخرى إلى تراثنا وذخيرتنا من الامثال والحكم, نستذكر منها تلك المقولة التي جاءت متأخرة لكنها ذهبت مثلا وحكمة (إنما أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثورُ الابيض..) نتذكرها قبل أن يسبق السيف العذل ونعضُّ أصابع الندم بعد فوات الاوان.. أو لعلنا نتمثل قصيدة امير خراسان نصر بن سيّار التي بعث بها إلى اخر خلفاء بني امية مروان بن محمد بن مروان عندما رأى انتشار الدعوة العباسية على يد أبي مسلم الخراساني, والتي صدّرها بالبيت الشهير: أرى بين الرمادِ وميضَ نارٍ ويُوشِكُ أنْ يكونَ لها ضِرَامُ فهل ترانا على أبواب ثورة نسائية توشك أن تطيح بمملكة الرجال وتقتحم أبواب القصور التي توهموا ذات يوم انها حصينة, فإذا بها أوهن من بيوت العنكبوت وإذا بأبوابها لا تختلف كثيراً عن باب النجار الذي وجد أخيراً من يحمل معه تلك الصفة التي التصقت به طويلاً فلم يعد وحده (المخلّع) بعد أن أصبح (الخلع) سيفاً مسلطاً على رؤوس قد أينعت وحان (خلعها) ؟