تقف بعض الأحداث رغم أهميتها في تغيير مسار التاريخ أو صنعه موقفا جدليا, حيث تكثر الدراسات والاستنتاجات والأسئلة ولا تتوقف, لأن الموقف يستوعب جميع تلك الاثارة وعلامات الاستفهام, خاصة إذا ما علمنا ان الذي يتحدث الآن عن الانتصار كان غازيًا . وحتى لا أدخل في مقدمة خطابية جوفاء أقف هنا, وأبدأ معكم لطرق أبواب أخرى غير التي نعرفها, فقد تحاورت في العام 1991, وهو العام الذي احتفلت فيه الولايات المتحدة الأمريكية (بيوم كولومبوس) , والذي يصادف مرور خمسمئة عام على اكتشافه (العالم الجديد) , تحاورت مع أحد الزملاء وسألته عن هذا الرجل الذي أبحر غربًا للبحث عن الشرق هل كان مستكشفاً أم مغامراً شريراً؟ وهل ذهب ليستكشف أم ليسرق وينهب؟ أجاب الزميل: مهما قال التاريخ عن هذا الرجل, فإنه يبقى مستكشفاً, فقد أعطى البشرية أرضا جديدة لم يعرفها الانسان من قبل, فهذا المواطن الايطالي الذي ركبته غريزة المغامرة استطاع العثور بعد رحلة ملحمية دامت 70 يوماً على اكتشافه المثير والذي بدأ يغير العالم. قلت: أراك متحمسا لهذا الايطالي الذي كان عميلا لأسبانيا! أجاب: هذا لا يغير من الموضوع شيئا, فالرجل أعطى البشرية اكتشافه ورحل. * وماذا عن الهنود السكان الأصليين لهذه الأرض, هل هم اكتشاف أيضا؟! ـ أنا معك, ولكن الحياة لابد ان يسيّرها الأقوى.. * رغم هذا المنطق المعكوس الذي يسيطر عليك, أحاورك ولا أتفق معك, ولكني انقلك إلى تقرير تلفزيوني شاهدته بعيني عن الاحتفالية الأمريكية (بيوم كولومبوس) .. فقد أبدى هنود العالم الجديد الذين أبيد أجدادهم بالسيوف والأمراض بعد مجيء كولومبوس أبدى هؤلاء استعدادهم لاستقبال كريستوفر كولومبوس ولكنهم لن يفردوا له السجادة الحمراء.. فقد أشارت سوزان مارجو وهي هندية من قبيلة تشيين إلى ان سياسة المهاجرة كانت متساهلة جدا عند الهنود آنذاك, وتختصر سوزان الاحداث التاريخية التي جرت أيام كولومبوس بثلات كلمات (جاءوا, استقبلناهم, قتلونا) ! وقد أظهر التقرير بأن الحساسيات متفشية إلى درجة ان اللجنة الوطنية للاحتفال باليوبيل الخمسمئة لكولومبوس كانت تتفادى استعمال عبارة احتفال لوصف ما يجري, بل تسميه احياء ذكرى, كما تصف ما انجزه كولومبوس بمواجهة وليس اكتشافا, بل ان هناك من يستعمل كلمة غزو. قال الصديق: على كل حال, العالم يعتبر كولومبوس أشهر المستكشفين في العالم, مع انه مات مغمورا ومنسيا الى حد ما, ولا أحد يسبقه عند الامريكيين في عدد الاشياء التي تحمل اسمه غير جورج واشنطن, ومنها 47 مدينة وبلدة في الولايات المتحدة, اضافة الى الجامعات والانهار والشوارع والساحات. * لكن مناهضيه يتهمونه اليوم بالابادة العنصرية والرّق والاستعمار ونهب الذهب والفضة من المدن واتلاف البيئة, وقد أطلق مجلس الكنائس على عام 1492 اسم عام الندامة والتأمل, حيث قال في بيان صادر منه ان اكتشاف امريكا كرّس مشروعية الاحتلال والابادة العنصرية, والاستغلال الاقتصادي وأحضر معه العنصرية المتأصلة والانحلال الاخلاقي.. وهنا لا تعليق! ـ قال صاحبي: لقد قرأت الكثير عن هذه القضية حتى أن البعض يقول ان الفايكينج سبقوا كولومبوس الى العالم الجديد, وأن قضية الاكتشاف فيها وجهة نظر, فالأرض التي اكتشفت كان يعيش فيها ملايين من البشر, مع أن الاوروبيين والهنود لم يكونوا يعرفون بوجود بعضهم البعض, هذا فضلا عن أن كولومبوس أخطأ في اعتقاده انه وصل الى القارة الآسيوية عندما نزل الى البر في مكان ما من جزر الباهاما واطلق على الارض الجديدة اسم سان سلفادور في حين ان سكانها الاصلييين كانوا يسمونها (جوانا هاني) . * وماذا يعني هذا؟ ـ ببساطة أيها الصديق ان كولومبوس بقصد أو بغير قصد غير وجه العالم, فما فعله هو انه تجرأ على الابحار في طرق بحرية لم يبحر فيها احد من قبل, بعمله هذا ربط وإلى الأبد بين عالمين كان قد فصل بينهما زحف القارات قبل ملايين السنين, ولا يزال العالم يحاول ان يفهم مضاعفات ما قام به كولومبوس.. لقد وجد كولومبوس نفسه في مكان غريب عليه, وأطلق اسم هنود على الشعب الذي كان يعيش هناك وطلب منهم ألا يرحلوا لأنه عائد إليهم قريبا, ولسوء حظهم حافظ كولومبوس على وعده وعاد.. والحقيقة أيها الصديق ان كولومبوس قام بأربع رحلات للعالم الجديد محضرا معه في كل مرة المرتزقة والمغامرين والجياد والابقار والخراف وبعض الاشياء غير المرغوب فيها كالجرذان والحصبة والجدري والزكام وبعض الأوبئة الاوروبية التي نقلها المستوطنون للسكان المحليين الذين كانوا غير محصنين ضدها فمات منهم الملايين.. * أرى ان الهدف كان استعماريا! نعم, فالقوة هي التي تحكم الموقف, فهؤلاء الغزاة الجدد كانوا يأملون باستعباد السكان المحليين كعمال سخرة في مزارع القصب, إلا أن العنجهية والأمراض التي نقلها هؤلاء ابادت السكان المحليين, فلم يجدوا إلا سرقة أهالي افريقيا ليعملوا مكانهم.. إن السؤال الذي ما زال متواصلاً أيها الصديق.. هل كان كولومبوس مستكشفا أم غازيا شريرا.. إذا أردت أن تعرف الاجابة تأمل جيدا بعد مرور خمسمئة عام على هذا الاكتشاف أو الغزو.. ماذا يفعل اتباع كولومبوس في العالم؟.. إن البذرة الفاسدة لا تنبت إلا مثيلتها وها هو الغزو يتواصل في العالم على أيدي الغزاة القدامى بشكل آخر ووجه آخر, فهل نفهم دروس الزمن القديم المتواصل؟!