شايب من الذين اذاقتهم الحياة مرها، ومنحتهم بعد ويلات المر حكمة تجاربها وفراسة التعامل معها. هذا الشايب امتهن عملا يبدو غريبا في هذا الزمان، ففي الارض التي يعيش عليها وهي قرية صغيرة من قرى هذا الوطن المتناثرة وسط رؤوس الجبال، تعود هذا الشايب على ان يزرع قريته اية بقعة يرى من منظوره انها تحتاج إلى شجرة خضراء، يحفر فيها ويزرع نخلة، يسقيها اياما، ويتركها لغيره، يقول انها: سبيل في حب الله. يد الخير التي يمدها هذا الشايب في الارض الجرداء، تمتد بسخاء ايضا لكل بيت جديد يبنى في القرية، لكل عريس يحضر الشايب فرحه، يهديه فسيلة من اجود انواع النخيل. لماذا يفعل هذا الشايب هكذا؟ ما هي (مصلحته) ـــ استخدم هذا المصطلح العصري الذي يحكم جميع شئون حياتنا وتصرفاتنا اليوم. لماذا يتعب نفسه، يتحمل هذا العمل الشاق، ويقوم بدور البلدية ووزارة الزراعة والشئون الاجتماعية ايضا؟ لماذا يخسر، ويتمثل افعال (الطائي) الجواد الكريم في زمن بخيل يسمى عصر الاقتصاد، زمن يستغرب ناسه من افعال مثل هذا العجوز الذي قد يصفه البعض لتصرفاته هذه بالجنون؟! فلسفة الشايب انه لا يبقي لك شيئا في هذا الحياة سوى العمل الصالح. والعمل الصالح عنده بعد طاعة الخالق، هو ان تعمر هذه الارض، فهو لا يملك غير الزراعة، لهذا يجد رسالته في (نزرع ليأكلوا). الشايب يرى ان هذه الارض، صعبة التضاريس والمناخ تحتاج إلى ان نزرعها، اذا اردنا ان نعيش فيها، ويستقر فيها انسان المستقبل. ويرى ان العمل الصالح الاهم الذي يحتاجه الانسان في حياته، ويحتاجه الوطن، هو الابن الصالح الذي يخدم اهله ويبني بلده، لكن هذا العمل وهذا الابن هو الامر الذي حرم منه هذا الشايب طوال حياته، فلم يرزق بذرية، وعوض هذا الحرمان في وصل ابناء قريته، الذين تصور انهم جميعا ابناؤه. شيئان يحرص هذا الشايب على غرسهما في نفوس هؤلاء الابناء، هما: اهمية ان نزرع شجرة، وان نربي انسانا صالحا، نافعا، مستنيرا، لانه لا يدوم في هذه الارض غير الشجرة والانسان. الشجرة الضارة لا تنفع بل تضر، وكذلك الانسان غير الصالح يضر اهله ووطنه. بعض هؤلاء الابناء الصغار الذين كبروا الان، واكملوا تعليمهم، وتخرجوا بشهادات علمية عالية، وعادوا لقريتهم، لانهم لم يجدوا فرصة للعمل، عندما يجلسون للشايب يشكون حالهم، ويذكرونه بجزء من نصيحته، الجزء الذي يتعلق بالانسان، يرون انها كانت مهمة ومحفزة نحو الجد والنجاح ولكنها غير مفيدة، فما فائدة ان تتعلم ولا تعمل. كان الشايب يردد عليهم، مثلا قديما يقول (سار القنص بليّا طيره). يوصيهم دائما بالصبر والانتظار والتحلي بالامل، فحكمة المثل عنده ان البلد اذا اراد ان يتطور وينهض، فإنه يحتاج إلى ابنائه، فلا قيمة للانسان من غير وطن، وكذلك الوطن لا يصبح وطنا من غير مواطن ينتمي له، يحفظه ويحبه، يحميه ويخدمه. القناص يعرف اكثر من غيره ان الذي يشارك في رحلة الصيد، لابد ان يكون مستعدا، واول التجهيزات ان يدرب ويعد طيره، ففي القنص سباق محموم للفوز والمكسب، اما ذلك الذي يحضر الصيد من غير طير، فإنه اكثر الناس خسرانا، انه يشاهد المقناص، الطبيعة والفرائس، وانشغال ربعه بالصيد، والتسابق نحو الهدف وسعادتهم بالغنائم في النهاية، وهو في حالة من الحسرة والندم، يأكل من لحم غيره، ويتمنى لو كان طيره معه. الدولة هكذا حالها عندما تريد ان تدخل سباق الدول نحو التطور والازدهار، وان تأخذ مكانة افضل في كل المجالات، في البحث عن مستقبل افضل، عليها ان تعد مواطنيها، واهم متطلبات هذا الاعداد هو تحقيق الاستفادة القصوى من المخرجات. تعطي لهذا المواطن فرصة ان يعمل في مجال تخصصه، تمنحه الثقة اولا، وتسعى لتدريبه وتطوير قدراته. هذا الذي يبقى للوطن، وهذا الذي سيقود الوطن نحو المستقبل، لانه هو المستقبل. بدون هذا العامل سيصبح مثل ذلك الذي قيل فيه المثل يبحث عن غايته في القنص، يتعب نفسه في الترحال والاعداد والبحث عن الصيد، عندما يجد ضالته، يتذكر انه نسي ان يأخذ في هذه الرحلة اهم متطلباتها: طيره القناص.