تثير عندي الموانىء حنينا دافقا مجهول الهدف, الموانىء للإقلاع أي الرحيل وللوصول أيضا, الموانىء للمفارقة وهي موضع للقاء أيضا, الموانىء حد فاصل, شرفات ينتهي عندها عالم اليابسة, وهي شرفات أيضا يطل منها الإنسان على البعيد, القصي . في عالمنا اليوم لا يوجد ميناء إلا ويعرف المرتحلون عنده إلى أين يؤدي, ولكن على امتداد التاريخ الإنساني أقلع بشر كثيرون صوب نقاط من العالم لم يلموا بها. عندما أقف على شاطىء الإسكندرية أرقب غموض الشمس التدريجي في مياه البحر, أحاول أن أرى المشهد الأزلي بعيني انسان وقف يوما ما , لحظة ما, في الزمن المنقضي , البعيد, يتطلع إلى البحر الذي لا يعلم ما وراءه, يتملكه رعب من الليل القادم, وخوف ألا يرجع هذا القرص المضيء الذي يبدد ظهوره العتمة ويبعث الدفء. عندما بلغت يوما شاطىء المحيط الأعظم, وقفت عند ساحل المغرب المطل على الأطلسي, مكثت ساعات طويلة أحدق في المحيط الذي كان يعرف في القرون الوسطى ببحر الظلمات, لم يكن أي إنسان يعلم ما وراءه! وإن كانت الأساطير العربية حاولت التنبؤ, غير أن إحداها كانت تتحدث عن صنم هائل الحجم ينتصب في عرض المحيط, يرفع يده محذرا, وإذا اقترب البحارة منه سمعوه ينطق محذرا: لا خطوة بعدي الوقوف أمام المحيط يمنحني أحساسا مغايرا, رغم أن هذا بحر وذاك بحر, المحيط يوحي باللانهائية العظمى, باللامدى, وبشكل عام فإن قدرتي على التأمل, ورغبتي في الغوص داخل الذات, فيما كان ويكون وسيكون تبلغ مداها أمام البحر, خاصة عند الموانىء ورؤية القوارب والسفن. ورغم انتفاء المواضع المجهولة في عالمنا اليوم, وانتقالها إلى الفضاء الكوني, فعظمة الإنسان أنه لم يكتف, لم يتوقف بل أقدم .. وخاض, ليصل ويعرف, فإن كل أمرىء يحمل مجهولا داخله, ويتطلع عبر ميناء كامن فيه, كلاهما يحتوي الآخر, أما الإقلاع فمن تلك اللحظة التي نسعى فيها الآن, وأما المجهول الذي نطمح في الوصول إليه سالمين, فهو الزمن الآتي, بعد لحظة, بعد ساعة, بعد يوم, بعد سنة, بعد حول كامل. دائما الإنسان في حالة إقلاع, ودائما هو في حالة وصول, من ميناء إلى ميناء .. حتى تكتمل الرحلة. السبت مسقط مايو 1994 قصدت ميناء مدينة مسقط, المطل على بحر العرب, صحبني الصديق الأديب العماني أحمد الفلاحي, ذلك المثقف الكبير, الرقيق روحا وحجما, والذي أعتبره الأب الروحي للأدب العماني الحديث, لم يكن قد مضى على نزولي سلطنة عمان إلا ساعات قليلة, ولكنني كنت ألج هذا المناخ الخاص الذي تفيض به العتاقة والتاريخ القديم, رغم حداثة المباني, والتخطيط المتقدم, إلا أن ثمة شيئا خفيا, ربما يصعب إدراكه بالتحديد, شيء لا علاقة له بخطوط العمارة العربية الأصيلة التي تلتزم بها كافة المباني, بما يوحي بعقلية تحترم التراث العربي وتلتزم به, توفق بينه وبين المعاصرة في توازن مدهش, والمدن بشكل عام تدخل في اهتماماتي, تخطيطاتها, وعوالمها الخفية والظاهرة, لفترة أظل أبحث عن مدخل يحقق لي التآلف أو الفهم, وأعرفه, ويرتكز إلى القاهرة القديمة ومعرفتي بها ومعايشتي لها, وأجده في مدن المغرب الأقصى, خاصة فاس ومراكش, في مسقط أدركته أيضا, انه التاريخ القديم, والطبقات المتراكمة, التي تكمن في سلوك البشر وتفاصيل حياتهم. وقفت مع الفلاحي في منطقة مطرح, البيوت مطلية بالأبيض, الميناء عامر بالناقلات الحديثة, والصناديق هائلة الحجم, ألمح سفنا شراعية قديمة, كأنها خرجت من أحدى قصص السندباد, لاتزال المراكب التي وردت أوصافها في قصص ألف ليلة وليلة, وحكايات البحر القديمة, لاتزال تبحر من موانىء عمان والخليج إلى سواحل الهند وإفريقيا وربما إلى الصين, وفي الأزمنة السحيقة عرف الفراعنة طريقهم إلى تلك الديار عندما جاءوا لجلب اللبان المستخرج من أشجاره التي تنمو في ظفار, وكان اللبان يستخدم في التحنيط, في عمان عدة موانىء تطل على سواحلها الطويلة, أشهرها صور, ورغم أن ميناء قابوس حديث جرى إنشاؤه بعد عام ,1970 إلا أن قلعة الجيلالي وقلعة ميراني, واللتين شيدتا في سنة 1793 ميلادية تهيمنان بحضورهما التاريخي على المكان, وكذلك الأبراج التي تتخذ في عمان شكلا واحدا متقاربا, دائما عند الذرى الجبلية تلوح تلك الأبراج. أبراج الموانىء العمانية دفاعية, لقد أبحر العمانيون عبر المحيط الهندي إلى سواحل إفريقيا الشرقية, إلى الهند, إلى الصين, أسسوا ما يمكن اعتباره إمبراطورية , ونشر رجالهم الإسلام حتى جنوب الصين, وعبرهم ولدت أساطير البحر وقصص السندباد, وفي القرن الثاني الهجري كتب أحد ربابنة السفن عن عجائب الهند, وقد نشر هذا الكتاب في القرن الماضي في أوروبا, ويمكن أن نلمح فيه أساس العديد من قصص ألف ليلة وليلة. أعود لأستغرق متأملا الأبراج العمانية المطلة على الميناء, أبراج بنيت للدفاع, بينما رائحة البحر القوية تزحم الفراغ, لقد ظهر البرتغاليون في هذه المنطقة خلال القرن السادس عشر, وتمكنوا من سواحل عمان لكنهم لم يستطيعوا التوغل داخل البلاد التي قام أهلها الشجعان بطردهم نهائيا سنة 1622 ميلادية. وأعود إلى ذاكرتي, إلى أوراقي, فقد وقفت منذ عامين فقط في نفس الموضع الذي أقلع منه أسطول فاسكودي جاما وأقلب مذكراتي. لشبونة الأربعاء ديسمبر 1992 أينما وليت وجهي يدركني البحر المحيط حتى وإن كنت بعيدا عنه, للمحيط حضور قوي في المدينة وضواحيها, وفوق هذا كله تحلق روح قديمة هائمة, انها روح الحضور العربي الذي استمر في تلك البلاد حوالي خمسة قرون, وكانت البرتغال أول ما ضاع من بلاد الأندلس, ورغم محاولة البرتغاليين طمس المرحلة العربية, بعكس أسبانيا التي تشهد جهودا عديدة لإحياء ودراسة التاريخ العربي بها, فإن تفاصيل شتى تشي بحضور العرب هنا, في العمارة, في الطعام, في ألفاظ عربية شتى. وقفت عند الميناء, بالتحديد عند النقطة التي انطلق منها فاسكو دي جاما قاصدا الجنوب ليدور حول رأس الرجاء الصالح متجها إلى سواحل عمان إلى بحر العرب, لقد كان خروجه من هنا أمرا له تأثير سلبي على مصر, فبعد اكتشاف الطريق الجديد إلى الهند, قل ورود البضائع من أوروبا عبر مصر, حيث كانت الدولة المملوكية تحصل على مكوس مرتفعة تمثل احد مصادر دخلها, وعندما ظهر البرتغاليون في بداية القرن السادس عشر في المحيط الهندي, وانقطعت التجارة الأوروبية عن موانىء الإسكندرية ودمياط والسويس, لم يعرف أحد بخبر اكتشاف الطريق الجديد, وحاول المؤرخ المعاصر للفترة محمد أحمد ابن إياس أن يقدم تبريرا, فكتب يقول إن الفرنجة تحايلوا حتى فتحوا السد الذي بناه الإسكندر ذو القرنين في الزمن القديم على قوم يأجوج ومأجوج حتى أحدثوا فيه ثقبا نفذوا منه إلى المحيط.. وكان ظهور البرتغاليين في المحيط الهندي أحد الأسباب التي أدت إلى ضعف السلطة المملوكية في مصر. أقف عند النقطة التي انطلق منها فاسكو دي جاما, ثمة نصب تذكاري ضخم, يمثل سفينة شراعية ضخمة, وعليها فاسكو ورجاله, جثمانه يرقد في كاتدرائية لشبونة إلى جوار القديسين وعظماء البرتغال. أقف عند النقطة التي خرجت منها سفينته, كعادتي أحاول إستعادة اللحظة المندثرة بما حوت, أحاول أن أتخيل لحظة أخرى في الزمن العربي عندما خرج ثمانية أشقاء في مركب وأوغلوا في المحيط, غابت أخبارهم تماما. يقول الجغرافي العربي محمد الحميدي في كتابه الضخم (الروض المعطار في خبر الأقطار) من مدينة الأشبونة ـ اسمها العربي القديم ـ كان قصدهم أن يعرفوا أغوار بحر الظلمات, دخلوا البحر في زمن هبوب الريح الشرقية التي تساعدهم على الاتجاه غربا, استمروا في التقدم حتى وصلوا إلى بحر غليظ الموج, كدر الرائحة قليل الضوء فأيقنوا بالتلف. عادوا بعد شهور إلى هذا الميناء ليخبروا عن قوم يعيشون في عمق المحيط, هل التقوا بالهنود الحمر ؟ هل وصلوا إلى القارة الأمريكية؟ ربما.. مراجع عديدة تؤكد ذلك.. لنا أن نتخيل المسار الذي كان ممكنا أن يتجه إليه التاريخ لو أن هؤلاء الفتية العرب وصلوا إلى السواحل الأمريكية, ولكن التاريخ لا يعرف البدائل, لا يعرف لو.. التاريخ يبدأ أيضا وينتهي في الموانىء. السبت يونيو 1994 انفلور الفرنسية بعض الموانىء مثقلة بدراما التاريخ, والصراعات , والترقب وميراث الحذر القديم, و بعض الموانىء توحي بالشعر, والفن, والرقة, رغم إنها تقع في مقدمة الخطر. لا أدري السبب الذي جعل مدينة رشيد العريقة ماثلة في ذاكرتي, وأنا أقف عند ميناء الصيادين الذي تشتهر به مدينة انفلور الفرنسية الواقعة جنوب غرب نورماندي. المدينة قصيدة من الحجارة والأخشاب وانتظار الرحيل والحنين, واجهات بيوتها الصغيرة الخشبية توحي بالكنة والأسرة وترقب عودة الذين خرجوا إلى البحر. ميناؤها يمثل القلب منها, يشبه الخليج, مزدحم بقوارب الصيد, التي تسعى إلى بحر الشمال, ويخوت الأغنياء الراسية, حول الميناء تنتشر معارض الفن التشكيلي, لم تعد انفلور مدينة قاصرة على الصيد فقط, ولكنها اصبحت مركزا هاما للفنون التشكيلية, للمعارض. كان اليوم ممطرا, وكانت أوروبا الغربية تحتفل بنزول الحلفاء في النورماندي منذ نصف قرن, كانت الطرق المؤدية إلى البحر مزدحمة بالمركبات العسكرية الفرنسية والأمريكية.