اعتادت الصحافة على مدى السنوات التي وزعت فيها جوائز سلطان العويس الثقافية أن تتوقف عند ردود فعل الفائزين بها ونظرتهم تجاه الحدث. وقد حرصت (البيان) على عدم الخروج على التقليد الذي دأبت عليه امعانا في تقديرها لقيمة الجائزة وصداها الحقيقي على مستوى الامارات وكافة الدول العربية . ولعل هذه الدورة بالذات مناسبة جديدة لاستعادة أهم صور الراحل المتجلية في بقائه في الثقافة وابقائه عليها. هنا لدينا تعليقات سريعة ومقتضبة عن الجائزة المستمرة في مسيرتها وعن تصورات الفائزين وعدد من الضيوف حول مستقبلها وتطورها وظهرت ايضا اقتراحات وتمنيات ضمنية تظهر الرغبة الحقيقية في التواصل مع هذا الحدث الذي تخطى صاحبه وكان الابقى في احتضانه لتجارب عربية بثت جهدها وفكرها ونضالها الابداعي على امتداد خريطتنا الغالية. خدمة الثقافة اعتز بالحاقي بركب المفكرين الكبار الذين كرمتهم اللجنة فمنحتهم هذه الجائزة التي خصصها سلطان العويس, طيّب الله ثراه وجعل الجنة مأواه لمأثرته في المعاونة المادية للعلماء الكبار الذين بذلوا جهودهم وكرّسوا كل وقتهم لخدمة ثقافة هذه الامة وتقدمها. د. صالح العلي اقتراح للترجمة الجائزة اشارة خيرة من رجل خير يحب الثقافة والشعر والشعراء. لم يجد نفسه المالك الوحيد لماله فأشرك المثقفين العرب فيه, وهذا فضل لا ينكر وله الشكر الجزيل رحمه الله. لقد هيأ للآخرين من اثرياء العرب الوعي بأن المال مال الله وان انفاقه في وجوه الخير خير وأبقى. وكم اهدر هؤلاء الاثرياء على لذة تافهة او متعة فجة او ضياع اعمار كان يجب صيانتها. وتتميز هذه الجائزة بميزة في غاية الخطورة هي اولا المحايدة والبراءة من الانحيازات المسبقة التي تجعل من الجوائز عوامل ضغط او توجيه او الزام. فنحن نعرف ان من اسس جائزة نوبل ان يكون الكاتب او المفكر منطلقا من مجمل القيم الاوروبية التي تعلي من مركزية التوجه الثقافي الاوروبي, مما يجعل نوبل عاملا من عوامل التوجيه والارغام والتدخل غير المباشر في الضمير الثقافي بالعالم, ولذلك تشترط عددا من القيم ومنظومة اخلاقية محددة. اما جائزة العويس, وان كانت اقل في القيمة المالية او في الشهرة والذيوع في العالم, الاّ انني اعتبرها معبرة عن روح الثقافة العربية التي تؤمن بالتعدد وحرية المعتقد وعدم الاكراه في الالتزام. واذا كانت هذه الجائزة تقدم فضلها للشعراء والكتاب, فانني اتمنى واقترح التخطيط لكي تكون في ذات الواقع في صالح الشعر والكتابة, بأن تقدم مختارات من اعمال الفائزين للترجمة الى لغات العالم, حتى تكون الجائزة عنصرا فعّالا في الثقافة العالمية وفي الدفاع عن الابداع العربي ولكي تفتح آفاقا اوسع من الحوار والتفاعل بين هذه الثقافة وثقافات الآخرين. محمد عفيفي مطر ولدت الآن استطاعت جائزة مؤسسة العويس الثقافية أن تشكل مصداقية لدى المثقفين العرب لأنها اتخذت لنفسها اساسا من الموضوعية والحياد. ولو تتبعنا اسماء الفائزين في دوراتها الست ورأينا التنوع والاختلاف في اتجاهاتهم من فائزين وفائزات, لاتضح لنا ان الجائزة لا تنحاز الا للمنجز الفكري بعيدا عن اي اعتبار آخر, وهذا ما جعل النظرة اليها نظرة ثقة وتقدير, ويتشرف الفائز بها بأن يشعر ان فوزه تحت شعار الموضوعية والحياد. اما تصوري عن الجائزة, بعد رحيل مؤسسها رحمه الله, فهي انها فعلا وحقا قد ولدت الآن لأنها صارت معتمدة على سمعتها ومكانتها بعد ان راح راعيها, وهذه هي اللحظة التي كان يخطط لها المرحوم ويتأملها لكي تكون الجائزة باقية ومستمرة ولا تكون عالة على شخص يحضر او يزول. ولذا فقد صارت الآن مؤسسة كاملة الهوية والاستقلال, وهذه هي قمة النجاح لأي مؤسسة في ظل ما نراه من اعتماد الاعمال والمؤسسات على مؤسسيها, فاذا راحوا راحت معهم. وفي هذه النقطة بالذات يكمن الانجاز العميق للعويس رحمه الله. د. عبدالله الغذامي ضد التهميش كنت اتمنى اللقاء به للسؤال حول الجائزة وكيف نمت حتى خرجت الى حيز الوجود, وكيف يمكن لرجل اعمال, هو الذي يدرك ويقدر المادة والمال ان يكرس مبلغا مهما جدا لتكريم اسماء مجهولة بالنسبة له اقول في البداية, خاصة الادباء الذين هم مهمشون بشكل أو بآخر. كنت احب ان اسأله ان كان الهدف هو الدفاع عنهم ضد التهميش واثبات اهميتهم في المجتمعات الانسانية ام مجرد مساعدة مادية ام اراد تخليد اسمه؟ وفاته مع الاسف ضربتني في الصميم, واتخيل انه فكر بكل هذه الاسباب مجتمعة, وهو كأديب يدرك اهمية الادباء للمجتمع الانساني عامة والعربي خاصة, كما يدرك معاناتهم المعيشية في حرفة الادب. احترامه لهؤلاء الاشخاص هو الذي دفعه لتخصيص الجائزة, وكم كنت ارغب في التحدث اليه لقلة وجود امثال هذه الشخصيات. اعتبر ان غيابه خلّد اسمه عبر مؤسسة العويس التي تستند الى نظام مالي مؤسساتي حديث يدعو الى الثقة بصورة تامة من حيث الاستمرار. وهذا البقاء سيترسخ لأن القائمين على الجائزة سيعتبرون ان المسئولية كبرت وزادت علهيم. كنت قد تقدمت للترشيح بنصيحة الراحل د. علي جواد احتراما لقيمة هذه الجائزة الثقافية والمعنوية اولا ثم المادية ثانيا حسبما تأكدت بمراقبة شخصية فعرفت حياديتها وأقبلت عليها وهي شرف لمن يحصل عليها. د. فؤاد التكرلي أمل مستقبلي تعد الجائزة الاهم ثقافيا في العالم العربي اليوم, وقد رسخت قيمتها دورة بعد دورة لأنها تعتمد قدر الامكان المعايير الصحيحة لمنح الجوائز الثقافية في العالم. وقد تلقيت خبر منحي الجائزة في مجال الدراسات الانسانية والمستقبلية واختلطت لدي المشاعر, فشعرت بالسرور نظرا لقيمة الجائزة المادية والمعنوية واحسست بالمفاجأة لأني لم اتوقع بالفعل ان ينال صدى الفلسفة تقديرا من هذا النوع ومن قبل مؤسسة تميل باتجاهها العام الى النتاج الادبي, كما شعرت بحجم المسئولية الكبيرة المضافة على عاتقي في مجال البحث والخدمة بواسطة الفكر والفلسفة. وبالنسبة لمستقبل المؤسسة اسجل ارتياحا لأنها سعت منذ البداية الى النظام المؤسساتي ونجحت بالفعل في الوصول الى مبتغاها. لذلك وبقدر ما اشعر بالأسى على رحيل صاحبها اقابله بارتياح لأن الرسالة ستستمر دون التأثر بغياب مؤسسها كما يحصل لمثيلاتها. وأملي كبير ان المؤسسة ستقدم مزيدا من الخدمات للثقافة العربية وان تنشط حركة الابداع الادبي وتشكل نموذجا يحتذى به ليس في بلدان الخليج فحسب بل في سائر اقطار الوطن العربي. د. ناصيف نصار تقييم موضوعي جائزة سلطان العويس هي بحد ذاتها انجاز ثقافي مهم جدا للعالم العربي في زمن تقل فيه الاهتمامات والتقييم الايجابي والموضوعي للقيم الفكرية والثقافية, لذلك يمكن ان نعتبر ان جائزة العويس هي بمثابة كشف عن الحالة الثقافية والابداعية في العالم العربي, وكشف ايضا عن المثقفين انفسهم الذين يحوزون على الجائزة. في تصوري ان اعضاء المؤسسة والقيمين على منحها وتقييم الاعمال الثقافية الابداعية قد تمّ اختيارهم بالشكل الموضوعي, ومن الضروري ان يتمتعوا بامكانات فكرية وثقافية ذات مستوى عال ويستطيعون اختيار الفائزين برؤية علمية وموضوعية. من هنا اعتقد ان الراحل قد عمل على تأسيس مؤسسة يمتاز اعضاؤها بهذه السلطة. د. وطفاء الحمادي لم يغب لا اعتقد ان غياب صاحب الجائزة الشاعر سلطان العويس يؤثر سلبا على مسار الجائزة. بل اقول ان غيابه سوف يزيده حضورا ليس عبرها فحسب, وانما عبر المثال الذي جسّده هذا الشاعر الذي عرف عالم الثورة من غير ان يقع في شباكها. ان كثيرين من مؤسسي الجوائز العالمية لم يحل غيابهم دون استمرار تلك الجوائز وانما على العكس. اهم ما في جائزة العويس انها ليست جائزة شخص ولا مؤسسة تسعى الى فرض اسماء الفائزين او الى ترويج سياسة ما او فكر ما, ويكفي ان نستعرض اسماء الفائزين اليوم لندرك حقا ان هذه الجائزة هي من اكثر الجوائز تقدمية وطليعية. اشعر ان الشاعر العويس لم يغب, حتى وان غاب بجسده فروحه حاضرة وستظل حاضرة مادامت الجائزة على هذه الحال من الطليعية والتجدد. لم اشعر بالحزن لغيابه فالموت هو قدر الحياة واسمه ستظل تردده الشفاه كشاعر وصاحب جائزة وكنموذج راق للانسان الثري الذي كان غنيا بروحه. عبده وازن