دمعت عيناي صدقاً وأنا أقرأ قصة هذا الزواج الحاصل في سجن رومية شرق بيروت, وللصدق أن بيروت كانت دائماً مدينة للاستثناءات الجميلة في ذاكرتي الشخصية. زواج لم يعترف لا بالمكان ولا بالزمان ولا بالأحكام القضائية, فالزوج الياباني احد كبار المخرجين السينمائيين العالميين وهو يشكل مرجعية كاملة في السينما اليابانية إلى الحد الذي تدرس معه تجربته السينمائية في الجامعات لطلبة الاعلام السمعي والبصري, جاء إلى لبنان واتهم بتزوير وثائق رسمية, وقبل ذلك الرجل حامل لقضية. (ماساواداتشي) رجل في الستين, التقى هذه اللبنانية الجميلة في صورتها, كما تناقلتها وسائل اعلام العالم, (أمية عبود) شابة في الثلاثين جمعتهما مبادىء وقناعات اكبر من كل الذي يسود في هذه الحياة, واكبر ايضا من كل الذي يحدث الجمع بين رجل وامرأة, كبر الحب رغم حصار القضبان, ولأن امية ايضا محكوم عليها بالسجن وتؤدي عقوبتها داخل نفس السجن, ولأن الحب لا يؤمن بالمسافات ولا بالامكنة ولا بطبيعة الفوارق, فلقد اصر الحبيبان على تجاوز كل الحواجز التي يمكن ان تفصل بينهما, كالسن المتقدمة لماساو, والسن اليافعة لامية, زائد طبعا الفارق المذهبي الديني وايضا الفارق الجغرافي والتاريخي, سقطت كل هذه الحواجز فقط, لان هناك قناعة مشتركة في العمق, عمق المعني والمعنية بالقصة واتفق الاثنان على صناعة المتفق عليه صمتا وضمنا. لقد وجد (ماساو) كما جاء في تصريحه في (أمية) , اليابان واضواءه ونجاحاته التي تركها وراءه, وكانت في ازمنة غربته, هي وطنه واسمى اوطانه, وأمية لم تقل يوما لماساو, أنت لا تحبني, انت تحب امرأة احتضنت غربتك, في لبنان وفي سجن لبنان, وامام حرارة العاطفة وصدقها, تجاوزت امية الفوارق وقفزت مباشرة إلى الخاتمة دون احترام للمراحل والمقدمات وذلك هو منطق الحب الذي عادة ما يعطي العقل الاجازات الطويلة لانه متى اشتغل العقل توقف القلب, والعكس سليم جدا ايضا. عظمة امية انها اقنعت العالم بزواجها هذا, وقبل ذلك اقنعت لبنان بخطوتها هذه, وحتى وإن فشلت في اقناع ادارة السجن باعطائها وقتا خاصا مع زوجها, الا ان اصرارها كان اكبر من كل القرارات الادارية, وقررت الزواج وان اضطرت لان تعود بعد حفل الزواج وحيدة إلى غرفة نومها عكس كل عرائس الدنيا, فقط لان ماساو يضطر لاستيفاء المدة القانونية وهي ستة اشهر. اريد ان اقول ان ماساو.. وأمية.. أكدا للبنان وللعالم, عظمة شيء اسمه الانسان, ونسيت ان اقول ايضا, لعل ماساو سيحول قصته مع امية إلى فيلم رائع, وربما حينها فقط سنكشف في أمية عظمة التمثيل بعد اكتشافنا لعظمة الانسان فيها.