حين كنت اراجع كتب التراجم والمعاجم الموسوعية للتأكد من بعض المعلومات التي استخدمتها في كتابة استراحة الاسبوع الماضي, لفت انتباهي ملاحظة مثيرة ترتبط بتواريخ ميلاد المبدعين والمفكرين وقادة الرأي واشباههم من اعلام القرن العشرين والقرن التاسع عشر , وقد بدأ الامر بأن لاحظت اتفاق ولادة مجموعة من الاعلام المبرزين في سنة واحدة دون غيرها من السنوات, أو بالقياس إلى غيرها من السنوات, وتكرر الامر على نحو لا تخطئه العين, ولا يمكن ان يمضي دون ان يفرض نفسه على الذهن, ودفعني تكرار الملاحظة إلى أن اسأل نفسي: هل يدخل ذلك في باب التوافقات الدالة التي ينبغي ان نتوقف عندها ام يدخل في باب المصادفات التي هي استثناءات مفاجئة بلا تعليل؟ ولكي يشاركني القراء ما لاحظته, اتوقف عند بعض السنوات التي لفتت انتباهي, وكانت السنة الاولى هي سنة 1821 التي ولد فيها كل من شارل بودلير الشاعر الفرنسي الذي استهل طريقة جديدة في الكتابة الشعرية, والروائي الفرنسي جوستاف فلويير, والروائي الروسي فيدور دوستيوفسكي, وبعد هذه السنة, تأتي سنة 1844 التي ولد فيها كل من بول فيرلين الشاعر الرمزي الفرنسي والفيلسوف الالماني فردريك نيتشة والكاتب الفرنسي الشهير اناتول فرانس, وتتكرر الظاهرة نفسها سنة 1862 التي يولد فيها الكاتب المسرحي الفرنسي جورج فيدو والروائي والمسرحي النمساوي ارثر شنتزلر والكاتب الفرنسي جان جيرودو والكاتب الالماني جيرهارد هاويتمان والكاتب البلجيكي موريس ميترلنك, ويشبه ذلك ما حدث سنة 1871 التي ولد فيها اربعة اعلام تسجل اعمالهم موسوعات الادب العالمي, واولهم مارسيل بروست الروائي الفرنسي الشهير, وثانيهم جرازيا ديليدا الكاتب الايطالي, وثالثهم بول فاليري الشاعر الفرنسي الرمزي, ورابعهم الاديب الالماني هاينرخ مان, وقد لفت نظري بعد ذلك سنوات عديدة, منها سنة 1880 التي ولد فيها الشاعر الرمزي الفرنسي جيوم ابوللنير, ومعه زميله في الرمزية الشاعر الروسي الكسندر بلوك, والروائي الروسي اندري بيلي, والروائي النمساوي روبرت موزيل. ولم تتوقف هذه الظاهرة عن جذب انتباهي, فهناك سنوات كثيرة غير ما ذكرت, شدت عيني بمن ولد فيها, مثل سنة 1889 التي ولدت فيها شاعرة شيلي جابريللا ميسترال التي حصلت على جائزة نوبل سنة 1945, ومعها الكاتب الفرنسي جان كوكتو والشاعرة الروسية آنا اخماتوفا والكاتب البلجيكي هنري ميشو على السواء, وهي سنة تلفت الانتباه بما قدمته من شاعرتين, اسهمت كل منهما اسهاما مؤثرا في ادبها القومي, ولا اريد ان امضي في الامثلة حتى لا يمل القارىء, لكن يمكن الاشارة على سبيل التأكيد المضاف, وحتى يقتنع من يريد المزيد من الامثلة, إلى سنة 1895 التي ولد فيها الشاعر الروسي الطليعي سيرجي ايزنين, والشاعر الفرنسي اليساري بول الوار صاحب الديوان الشهير (عيون الزا) وغيرهما من الشعراء والمبدعين, وشأن هذه السنة شأن سنة 1900 التي ولد فيها كاتب القصة الفرنسي انطوان سانت اكزبوري صاحب رواية (الامير الصغير) , وقد ولد معه الشاعر اليوناني جورج سيفيريس والفرنسي جاك بريفير, وكاتب الرواية الايطالي اجنازيو سيلونه الذي تأثر عبدالرحمن الشرقاوي بروايته الشهيرة (فونتمارا) في منحاها اليساري, ونقل مشكلتها الاساسية المرتبطة بصراع المزارعين مع كبار الملاك إلى البيئة المصرية الريفية في روايته الشهيرة (الارض) وقد ولد في السنة نفسها كتاب اخرون وكاتبات اخريات على امتداد العالم, ربما كانت اكثرهن شهرة الفرنسية ناتالي ساروت التي يسمع عنها القراء العرب اكثر مما يسمعون عن الكاتب ادواردو دي فيليبو أو جيلبرتو فرير أو وليام هينسين المولودين في السنة نفسها. ويلفت الانتباه, كذلك في تجمعات هذه السنوات الدالة ان بعضها يثمر للبشرية مجموعة من المبدعين الذين يشتركون في القدر نفسه من الشهرة, ومثال ذلك سنة 1799 التي ولد فيها كل من الاديب الروسي الكبير الكسندر بوشكين والكاتب الفرنسي الشهير هنري دي بلزاك وقد احتفل العالم كله في العام الماضي بمرور مائتي عام على مولدهما, ومثال ذلك ايضا سنة 1802 التي ولد فيها كل من الكسندر دوماس الابن الذي يعرفه ابناء جيلي من روايته الشهيرة (غادة الكاميليا) والشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوجو وكلاهما قمة في المنحى الرومانتيكي للكتابة الادبية ويمكن ان تضيف الى هذه السنة سنة 1828 التي ولد فيها كل من هنريك ابسن الذي يعده الكثيرين ابا المسرح الحديث وليو تولستوى الروائي الروسي الشهير صاحب (الحرب والسلام) , واظن ان سنة 1875 لها الوضع نفسه, فهي التي انجبت الشاعر رانيا ماريا ريلكه والروائي توماس مان, وكلاهما لايقل عن نظيره شهرة في التأثير العالمي للادب الالماني. ولكن هناك سنوات مقابلة تثمر المشهور الى جانب المغمور او العلم البارز جدا والعلم الاقل بروزا وشهرة, والامثلة على ذلك كثيرة منها سنة 1622 التي ولد فيها الكاتب المسرحي الفرنسي موليير اشهر من كتب الكوميديا في القرن السابع عشر كما ولد الكاتب الالماني هانز ياكوب كريستوفيل فون جريميلشوزن, ولم اسمع عنه قبل ان اقرأ اسمه في احدى الموسوعات وهناك مثال آخر على ذلك في سنة 1840 التي ولد فيها الروائي الفرنسي الشهير اميل زولا الذي يعرفه الجميع الى جانب الروائي الصقلي جيوفاني فيردا الذي لايعرفه الا اقل القليلين من المتخصصين. وما اكثر السنوات التي تلفت الانتباه الى تداعيات الملاحظة نفسها ولا اتوقف منها الا على ما يضيف بعض الملامح المغايرة الى المشهد ومن ذلك سنة 1882 التي ولد فيها السياسي روزفلت الذي اصبح رئيس الولايات المتحدة الامريكية الشهير, كما ولد فيها الموسيقار سترافنسكي, والروائية فرجينيا وولف مع الروائي الايرلندي جيمس جويس, والطريف ان السنة اللاحقة (سنة 1883) حملت معها الى الوجود كازنتازاكس الكاتب اليوناني الشهير الذي تعرفه الملايين برواياته التي تحولت الى افلام ناجحة مثل (زوربا) و(المسيح يعاد صلبه من جديد) و(الحرية والموت) وغيرها, كما حملت معها ولادة الروائي الشهير فرانتز كافكا الذي صاغ اتجاها روائيا مختلفا تماما وقد ولد مع هذين الاديبين الكبيرين في السنة نفسها موسوليني زعيم الفاشية الايطالية وحليف هتلر الشهير ولعل القارىء يسأل نفسه عن المصادفة التي جمعت بين السياسي السفاح من ناحية والروائي صاحب الرؤية الدينية ـ كازنتازاكس ـ من ناحية ثانية, والروائي صاحب الرؤية العدمية من ناحية اخيرة؟ واحسب ان السؤال يزداد طرافة عندما نعرف ان أديبنا المهجري الكبير جبران خليل جبران ولد في السنة نفسها التي ولد فيها هؤلاء اما عن اجابة السؤال فلا اجد, شخصيا, في ذهني ما يقنعني تماما كما لا اجد تبريرا للنجاح الذي ناله كل واحد من هؤلاء الثلاثة في مجاله النوعي, وعدم النجاح الذي ناله ادباء ولدوا معهم في السنة نفسها. والواقع ان تكرار هذه الظاهرة لايقتصر على الشخصيات الخاصة بالآداب او الاحداث العالمية, وانما يمتد الى الشخصيات العربية بالقدر نفسه, وقد لفت انتباهي ان سنة 1885 جمعت بين ولادة مارون عبود وبشارة الخوري ومصطفى عبدالرازق, تماما كما جمعت بيت ولادة كل من فلاديمير خلبيناكوف واسحاق دينسين وفرانسوا مورياك وغيرهم من ادباء العالم والاوضح من ذلك سنة 1889 التي ولد فيها كل من طه حسين وعباس محمود العقاد وابراهيم عبدالقادر المازني وجواهر لال نهرو وادولف هتلر, ومن ادباء العالم: جان كوكتو وجابريللا ميسترال وآنا اخماتوفا وهنري ميشو ونظرة واحدة الى الاسماء, لابد ان تثير في الذهن السؤال عن زخم هذه السنة بالقياس الى غيرها على نحو لافت, كما تثير السؤال حول امكان وجود علاقة بين معنى ولادة هتلر السفاح وغاندي تلميذ نهرو داعية المقاومة السلمية من ناحية مقابلة؟ واظن بعد هذه الامثلة, يمكن للقراء ان يوافقوني على وجود سنوات تتميز عن غيرها بوفرة حصادها الكيفي والكمي في مواليدها الذين تقدمهم للبشرية سواء في مجالات الخير او الشر. اقصد الى الاحتمالات التي تجمع بين امثال موسوليني وكافكا, او هتلر وجان كوكتو ويمكن للقراء في الوقت نفسه, ان يوافقوني على ان الامر ليس مصادفة بلا معنى وانما هو اقرب الى التوافقات التي تكشف ـ ضمنا على الاقل ـ عن نظام اعلى يتحكم في وجودنا البشري, ويوجه حركة الاجيال المتتابعة فيه.