ان المجتمع الانساني حالة موازية ومشابهة لعالم الطبيعة والحيوان, ففي أي مجتمع انساني نرى من يأخذ دور الأفعى أو الذئب أو الثعلب, وهو يمثل هذا الدور, إما عن قصد أو غير قصد, بمعنى ان الانسان قد يساق إلى لعب هذا الدور نتيجة تراكمات حياته منذ لحظة ولادته إلى حين بلوغه سن الرشد , وقد نرى في مقابل ذلك الطاهر الورع المؤمن الخالص الذي لايبغي إلا نشر الحب والخير, وقد تلتقي برجل يعجبك قوله ولكن ما ان تعرف حقيقته حتى تهجره مليا خوفا من سمومه التي قد تقتلك أو تضر على الأقل. هذه الحقيقة المرة التي نفجع بها من حين لآخر في بعض المجتمعات هي أفظع ما تواجهه المجتمعات الانسانية من كوارث, فالبعض من ضعاف النفوس والايمان ممن يعيش في هذه المجتمعات يشي بأسرارها ويتربص بها الدوائر لا لشيء إلا ليرضي نزوته الشريرة, فكم نسمع عن وجود هؤلاء في هذا المجتمع أو ذاك, وضعاف النفوس هؤلاء هم شر البرية, وأقبح ما يمكن ان نتصوره من أناسيّ, لقد أكدت جميع الشرائع السماوية وشرائع الحكماء على ضرورة الوفاء والاخلاص والتضحية, وتوجهت هذه الشرائع إلى الروح لتعالج خللها بالطهارة والنقاء, فمبدأ (من غشنا فليس منا) ومبدأ ( أدّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك) هي مبادئ اسلامية قررها الرسول صلى الله عليه وسلم, وحض عليها الأمة, وهي مبادئ عامة لكل زمان ومكان ومجتمع. وقد جنحت الدولة في العصور الحديثة إلى التزام التعليم, فأصبحت الدولة تضع المناهج الدراسية التي تعلّم النشء الحب والخير والتضحية والوفاء, وتتجنب العلوم السيئة والخبيثة, ولكن رغم كل الرسالات السماوية وخطط التعليم في المدارس ورغم كل أقوال الحكماء, ما زلنا نرى ضعاف النفوس يعيثون في المجتمعات الانسانية. والمدينة الفاضلة التي دعا إليها أفلاطون لا يمكن ان تتحقق في هذه المجتمعات البشرية الغرائبية ذات التناقضات الكثيرة, والمشكلة هي ان هذا الخبّ الخبيث قد يكون ابنا أو أبا أو زوجا أو قريبا. وهنا تكمن الطامة الكبرى, ولو تساءلنا لماذا تقبع هذه الجراثيم بين ظهرانينا تنخر هذا المجتمع وتهدّمه, لعرفنا سر الابتلاء والحكمة المنطوية في وجود هؤلاء ولأدركنا ان تناقضات المجتمع مثال لتناقضات الطبيعة وما فيها, فكما يوجد هناك الحر ففي مقابله يوجد القرّ. وكما هناك الأبيض ففي مقابله الأسود, وهذه التناقضات هي التي حفظت ولم تزل تحفظ الأنواع من الزوال و الانقراض, فالتناقضات تثير الحساسية نحو التميز والتفوق, ولولا التناقض لانعدمت الحياة, فالحياة قائمة ومستمرة بهذه الجدلية التي لا نهاية لها.