أتذكرون ذلك الملك الأسطوري الذي رغب في أجمل حلة من الممكن أن يلبسها إنسان, فصنع له الخياط حلة وهمية ألبسه إياها على أنها اجمل حلة في الدنيا, ولما سأل الملك من حوله عنها أجابوه أنه لا يوجد ما هو أفضل وأخذوا يثنون على الحلة ولونها وحياكتها, ولبسها الملك وخرج بها فأبدى الناس ذهولهم لجمال الحلة , حتى صاح طفل صغير: الملك عار! في هذه اللحظة اكتشف الملك أنه عار وفقدت بطانته القدرة على نفاقه؟! أظنكم تذكرون هذه القصة اللطيفة, أما أنا فلقد صاحبت حياتي سنين طويلة, وكنت دائما معجبا بما لم يثر انتباه الكثيرين, وهو عبقرية هذا الخياط الذي ألبس الملك حلة وهمية, وأقنع الناس بها, وكنت أرى أن هذا الخياط في الكثيرين ممن يصنعون الأوهام ثم يبيعونها للآخرين, ويصبح الوهم صروحا شامخة, أو هكذا تبدو حتى يسقط عليها ظل الفجر فإذا هي أوهام لم تكن أبدا. وكل منا فيه جزء من هذا الملك الأسطوري الذي صدق الخدعة, وأيضا كل منا فيه جزء من هذا الطفل الذي رأى الحقيقة ولقد رأيت الحقيقة أخيرا ـ مثل طفل الحكاية ـ على غفلة والسبب قصة في الأخبار. تقول القصة أن أحد الطيارين الأمريكان كان يقود الطائرة في عنان السماء, وكل شيء على ما يرام, الأجهزة على أعلى مستوى, الطقس جميل, وفجأة تغير كل هذا, لا نعرف كيف حدث هذا التغير, المهم أن الطيار الموقر اكتشف أن بعض ركاب طائرته من العرب! يا نهار أسود! هل بلغت الجرأة بالعرب أن يركبوا الطائرات؟! ومع من مع السيد الأمريكي؟! وأعلن الطيار الهمام الطوارىء في الطائرة واتصل بالمطارات القريبة وأعلن أنها في حالة تستوجب الهبوط الاضطراري ربما لوجود خلل في تركيبة الركاب. وفعلا هبطت الطائرة بسلامة الله وأنزل الركاب العرب غير مأسوف عليهم, وربما طهروا الطائرة بعدها أو لم يفعلوا ولكنها عادت إلى مسيرتها. الطفل في الأسطورة اكتشف الحقيقة فجأة وهي أن الغرب أعلن علينا الحرب, وأن الحرب العالمية الثالثة التي كنا نتوقعها وطال التوقع حتى يئسنا وظننا أنها لن تقوم أبدا قامت بالفعل, وإذا كان لكل حرب طرفان, فنحن الطرف الآخر الذي لم يعرف أن الحرب قد أعلنت ومازلنا نعيش في وهم الحلة الفاخرة! في العام الماضي كنا في أوروبا وكانوا يسألوننا هل أنتم أسبان أو ربما يسألوننا هل أنتم إيطاليون؟ ولكن أحيانا كانوا يسألوننا من أين انتم؟ فكنت أجيبهم بأنني عربي, ولكن صديقي الأقدم خبرة ببلاد الفرنجة نصحني همسا بألا أقول أنني عربي ودلل على ذلك بردود الفعل التي كنت أواجهها, وأستأت من كلام صديقي وقلت له أنني لن أبيع عروبتي أبدا لأي سبب, وأنني ظللت طول حياتي مؤمنا بالقومية العربية, ولست مستعدا أن أتخلى عنها لكي يرضى عنى فسل أوروبي, أو كما يقول أجدادنا علج من علوج الروم! ولكن صديقي هون من غلوائي, وقال ان الأمر لا يحتاج إلى إلغاء ثوب العروبة, بل علي أن أجيب أنني مصري, فهناك هوس أوروبي بالحضارة الفرعونية. وأنا مؤمن جدا أنني مصري عربي, ومتعصب جدا لكلتا الصفتين لكنني رأيت أن الفخر بالأولى سيكون على حساب الثانية, ولذلك رفضت ما طلبه مني صديقي, وكنت أسابقه الأسئلة بأنني عربي؟ ومن ردود الفعل كان علي أن أعرف أن الحرب العالمية الثالثة قد أعلنت ضد العرب, لكنني لم أعرف إلا كطفل الأسطورة عندما قرأت أن الطيار الأمريكي الهمام قام بإلقاء الركاب العرب من طائرته! والذين تابعوا الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في معرض الكتاب بالقاهرة وقبله يدركون أن الغرب قد أعلن الحرب علينا, لكننا مشغولون بترجمة اسم روجيه إلى رجاء, فلم ننتبه إلى ما يقوله. ثم وأنا أقلب المجلات وجدت خبرا عن كتاب جديد عن (هانيبال) ثم خبرا آخر عن تحويل الكتاب إلى فيلم, وهانيبال يستحق ألف كتاب, ولا يدهش أحدا صدور كتاب جديد عنه, وتحويل الكتاب إلى فيلم أمر طبيعي, ففي قصته من المغامرات ما يصلح لفيلم لا ينسى, فلقد جمع هانيبال قواته العربية في أسبانيا وعبر بها جبال الألب في تجربة غير مسبوقة ولا معقولة, ليفاجىء القوات الرومانية ويهزمها شر هزيمة ويدق أبواب روما. لكن ما لفت نظري هو أن عنوان الكتاب وربما الفيلم أيضا: هانيبال آكل لحوم البشر!! وهانيبال يشغلنا الآن باسمه هل هو حنا بعل أو هاني بعل, علما بأن هانيبال هو الاسم الروماني, وتراث قرطاجنة كله مأخوذ عن الرومان, فلقد تحاربت الإمبراطوريتان وانتصرت روما فزالت الحضارة القرطاجية من الوجود إلا ما كتبته هي. وقرطاجنة دولة أقامها العرب القدامى الآتون من سوريا على ارض تونس وما حولها, وأصبحت المنافس الوحيد لروما التي كانت القوة العظمى أيام زمان, وقامت بينهما حروب طويلة وربما كانت روما تريد تطبيق نظام (العولمة) ! وأثناء هذه الحروب ظهر هانيبال ليبدو عبقرية عسكرية نادرة, وكان إيمانه الأكبر أن الصراع مع روما هو صراع حياة أو موت وهو ما لم يدركه قومه.. خاصة من سكان قرطاجنة فلقد رأوا في حماس هانيبال مبالغة تضر بمصالحهم, ولذلك خانوا هانيبال وتركوه في أرباض روما يصرخ طالبا المدد والزاد وهم يفاوضون السيناتور الروماني سرا, ويعقدون معهم الأحلاف التجارية, وظن تجار قرطاجنة أنهم لو باعوا هانيبال سيكسبون المال والسلام, لكنه كان طمع إبليس في الجنة. وهزم هانيبال وهرب وحيدا, ولكن النظام العالمي الروماني أخذ يطارده سنوات طويلة حتى وصل إليه وهو في سن الستين أو ربما اكثر, وأدرك الشيخ أن روما تريد إذلاله وإذلال بلاده, وأنها ستأتي به إلى شوارعها ربما في قفص من حديد كأنه حيوان أسير, وشرب الرجل السم ليعطي أعداءه جسدا خاويا. ولم تكتف روما فلقد دبرت القضاء تماما على قرطاجنة المنافسة, ولم يعد باقيا منها إلا حوائط متهدمة في البحر المتوسط في تونس لا تغري حتى السياح لمشاهدتها, وجلست روما على قمة الأمم تحكي ما حدث في قرطاجنة, ولا تسمح لأحد أن يحكي معها, وهكذا انتهت حضارة من الوجود, وهذا ليس عجيبا, إنما العجيب هو أن ذكر هذه الحضارة قد انتهى فلم يبق منها سوى بضع صفحات مما روته روما بلغاتها, فمدينة سوسة مثلا اسمها هدرسوت مع أنه واضح أن اسمها حضرموت. من الغريب أن علماء شمال أفريقيا وهو كثيرون والحمد لله لم يقوموا بإعادة بناء خريطة قرطاجنة بما فيها من تاريخ ولغة وآثار. ولم أقرأ ـ ولعلي أقول مقصرا ـ عن معهد أو مركز يعيد إلى الحاضر ما حدث في تلك الأيام, ولقد كان هائلا فالإمبراطورية الرومانية التي كانت أضخم الامبراطوريات وربما مازالت حتى بالمقارنة بالإمبراطورية الأمريكية, لم تهتز كما اهتزت من الحروب البونية وغزو هانيبال لأراضيها. والحديث عن قرطاجنة أشبه بالحديث عن الحضارة المفقودة أو قارة اطلانطا, وهذا ما لا يليق بنا, فهي فترة نستحق أن نستعيدها من النسيان. وفي الوقت الذي نعاني فيه من فقدان الذاكرة يسعى الغرب إلى إعادة قصة هانيبال مرة أخرى فلقد قدمها مرات من بينها قصة سينمائية ظهر فيها هانيبال ـ أعظم قواد التاريخ ـ يغني تحت شرفة غانية رومانية على ما أذكر. أما في هذه المرة فالقائد الفذ لن يغني تحت نافذة امرأة بل سيأكل لحم البشر! أرأيتم كيف أعلنوا علينا الحرب؟!