رغم انها تنظر مباشرة الى الكاميرا فان عينيها الزرقاوين لا تريان الا الظلام. انها نوريا ديل ساث الشابة الكفيفة التي تقدم عبر شاشة التلفزيون بصوت متمكن وبلهجة ابناء الاندلس الضاحكة نشرة انباء الظهيرة التي تقرؤها يداها بطريقة برايل . كل يوم منذ التحاقها بالعمل في قناة التلفزيون العامة لاقليم الاندلس (قنال سور) في يونيو 1998 تظهر هذه الشقراء الجميلة المصابة بالعمى منذ المراهقة, في الواحدة من بعد الظهر لتقدم على شاشة هذه المنطقة التي تعتبر من اكثر مناطق اسبانيا كثافة ويبلغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة, وعلى مدى نصف الساعة نشرة الاخبار لتطلع المشاهد على اخر اخبار بينوشيه واحداث الشغب العنصرية في الاخيدو مرورا بالاقتصاد والقضايا المحلية. ولم يعد مرور المذيعة الشابة في اروقة مبنى التلفزيون في ضاحية سان خوان دي اثنالفراش القريبة من اشبيلية وهي متوجهة مستعينة بعصاها البيضاء الى البلاتوه لتقديم النشرة يثير الدهشة او الفضول. وتقول نوريا التي فقدت نعمة الابصار وهي في الثالثة عشرة من العمر نتيجة اصابتها بالتهاب في الشبكية (حدث ذلك تماما في الوقت الذي بدات احلم فيه بان اصبح صحافية) , مضيفة (لم تفل هذه الاعاقة من عزمي. فانا انسانة متفائلة وواقعية اعرف جيدا قدراتي. لكننى لم افكر ولو للحظة ان كوني كفيفة يمكن ان يحول دون تحقيق طموحاتي. كما ان احدا لم يحاول ابدا تثبيط عزيمتي) . في قاعة التحرير في مبنى التلفزيون يوجد على مكتبها جهاز كمبيوتر باهظ الثمن مقدم من المنظمة الوطنية للمكفوفين الاسبان التي تمول بانتظام شراء المعدات الخاصة اللازمة للمؤسسة التي تقرر توظيف شخص كفيف. هذا الجهاز الذي تعد عليه نوريا نشرتها هو الشيء الوحيد الظاهر التي يميزها عن باقي زملائها في القاعة. فهو مزود بشاشة خاصة تستخدم عن طريق اللمس للقراءة عليها بطريقة برايل وكذلك بآلة طبع وسكانر خاصة. وتعرض نوريا مواضيعها مثلها مثل غيرها على رئيس التحرير لمراجعتها وتصحيحها. وتقول نوريا موضحة (من المؤكد ان العمل بالنسبة للمذيعة الكفيفة يختلف عنه بالنسبة للاخرين وذلك نتيجة الفرق بين القراءة البصرية حيث تكون الرؤية شاملة للجملة كلها والقراءة بطريقة برايل التي يتعرف بها القارئ على الكلمة حرفا حرفا) . واوضحت (لذلك اجد نفسي مرغمة على حفظ كل فقرة من فقرات نشرتي عن ظهر قلب تقريبا قبل ظهوري على الشاشة مما ياخذ مني وقتا اطول من الوقت الذي يحتاجه المبصرون ويتطلب تركيزا شديدا) .