خلال رحلتنا الاخيرة التي طال امدها في امريكا كانت متعتي شبه (الوحيدة) هي تلك الزيارة الاسبوعية, المطولة بدورها, الى مكتبة (بارنز آند نوبل) اكبر دار لبيع ونشر وتسويق الكتب في الولايات المتحدة.. اذ انها كانت تحتل هذا الموقع الى ان بدأت تنافسها بل تكاد تتحرش بها دار بازغة اخرى تحمل اسم (الامازون) التي بات يعرفها كل من يتعامل في سوق الكتاب عن طريق شبكات الانترنت ويستخدم الحاسوب الالكتروني في رصد احوال كتاب عصرنا اطلاعا وبيعا وجلبا وشراء, دار بارنز آند نوبل اياها ما زالت تقدم خدمة لا يستهان بها الى ذلك الفصيل الذي يكاد يكون نادرا بين الاجناس البشرية التي اتخذت موائلها السكنية والمعيشية فوق هذا الكوكب.. هو ما يمكن ان نسميه (الانسان.. القارىء) او بالأدق) (الانسان ـ قارىء الكتاب) وهو فصيل يقل عدد أفراده يوما بعد يوم لحساب الانسان المتلفز, دع عنك (الانسان المحوسب) الذي اصبح يقصر تعامله المعرفي, وربما الحياتي على الكمبيوتر ـ وهو ـ بعد اذنك وكما نكرر باستمرار ـ الحاسوب, ولان اسعار الكتب في بلادنا اليعربية العزيزة ما برحت في ارتفاع تنوء به احيانا ميزانية المواطن العربي العادي.. البسيط كما نسميه, بمعنى انه يأكل الطعام ويمشي في الاسواق.. وهو ـ لعمرنا ـ طعام متواضع محدود, وهي اسواق فيها من المساومة اكثر مما فيها من بيع او شراء.. ولان نسبة الامية ما برحت بدورها مستشرية في كثرة من انحاء اقطارنا الا من رحم ربك منها ولان الميديا في بلادنا هذه تتعامل مع الكتاب من بعيد لبعيد, ولا تكاد تقدم للناس من قارئيه ومؤلفيه الا النذر اليسير الشحيح.. اذ هي ـ الميديا تبعنا ـ مشغولة او مطهومة كما يقول المصريون بتقديم نجوم السينما وتلميع لاعبي الكرة ناهيك عن اصحاب المعالي والسعادة من مسئولين واشباه مسئولين, لان اجهزة اعلامنا المحروسة على هذا الحال من التباعد عن الكتب وسيرتها وصفحاتها وكاتبيها وسطورها, فها انت ترى ان الكتاب تذوى مكانته ويضمحل الاهتمام به, اللهم الا اذا جاء تذكاره موسميا, وربما على قدر من الاستحياء في معارض الكتب احياكم الله الى قدوم مواسمها وحلول مواقيتها من عام الى عام. وقد نسمح لانفسنا ـ امانة مع انفسنا ـ كي نقول ان معرض القاهرة للكتاب وقد انتهى موسمه منذ ايام ـ سيظل كما يصفه محبوه ومشجعوه ونحن منهم بداهة مظاهرة حافلة ومهرجانا مشهورا.. ولكنه في التحليل الاخير مظاهرة ومهرجانا بكل ما يشير اليه هذان المصطلحان من معاني التزاحم والاضواء والصخب ـ المشروع طبعا والوعد بقضاء اوقات طيبة في كل حال.. انت ترى في معرض القاهرة افواجا من البشر.. عائلات بأكملها وقوما جاءوا من اقاصي البلاد.. ولكن لك ان تشك كثيرا في ان هذا الحماس الطيب المشروع قد ترجم نفسه الى شراء لكتب لها قيمتها واقتناء لاعمال فكرية تأسيسية كما نسميها دوما تضيف الجديد ـ المستنير الى فكر الناس وتجدد معارفهم وتضيء مدركاتهم وتوسع اطلالتهم على القضايا ونظرتهم الى الهموم وتعاملهم الايجابي مع المشكلات.. الكتب غالية الاسعار والمراجع التأسيسية اياها يترجمون اسعارها من الدولار والاسترليني فإذا بالاسعار تعلوا ـ لا نقول تحلق ـ الى عنان السماء فتنبو عن جيوب عباد الله البسطاء من امثالنا ويعز اقتناؤها سوى على رجال الاعمال وانت اول من يدري ان رجال الاعمال ـ مع كامل الاحترام ـ لا يشترون الكتب, ربما لضيق الوقت وربما لعدم الاهتمام وربما لان الكتب تتفلسف اكثر مما ينبغي وربما لأسباب اخرى لا يعلم بها سوى علام الغيوب. مع ذلك, نقول اهلا وألف مرحب بمهرجانات تحتفل بالكتاب ولو من بعيد لبعيد ونؤكد ايضا ان عنصر التسلية او الترفيه او التنويع سيظل مطلوبا في عمليات عرض الكتاب والتنويه به وجذب الاهتمام العام اليه ـ وهو ما تقدمه المعارض التي تشهدها بلادنا, ولو خالطها في ذلك صخب كثير ـ وهو ايضا ما عايشناه خلال زيارتنا الاسبوعية التي ألمحنا اليها في مستهل هذا الحديث بيد ان تجربة فروع بيع الكتب التي تمثل فروعا لدار (بارنز آند نوبل) يمثل كل واحد منها معرضا او كرنفالا للاحتفال بالكتاب واني لمحدثك عن الفرع الذي كان اثيرا لدي اذ ظللت اختلف اليه صباح كل احد في ساحة يونيون سكوير ـ ميدان الاتحاد كما نسميه ـ وهو اقرب الى طرف نيويورك الجنوبي اذ يسلم الميدان الى واحد من احيائها الشعبية في الشارع رقم 14 ومن بعده شارع القناة ـ كانال ستريت وكلاهما يحده من غرب الحي الصيني الشهير (تشاينا تاون) ويتاخم من الشرق الحي اللاتيني الذي يحمل اسم القرية ـ جريتشن فلدج حيث تلقى الفنانين من كل حرب وصوب وحيث اصبح للبيوت القديمة, وبعضها كان اطلالا شبه متداعية, سعر وأي سعر في دنيا العقارات.. كيف لا وقد سكن بعضها فنانون تشكيليون وموسيقيون وروائيون اصبح بعضهم من صفوة الكبار شهرة ونجومية وتألقا. فكان ان سارعت بلدية المدينة الى جعل مساكنهم القديمة صروحا تذكارية وعمدت الى تلك البيوت المتهالكة فوضعت على كل منها لوحة نحاسية مصقولة اللمعان تقول سطورها ان الفنان المشهور فلان او النجمة ذائعة الصيت علانة كانوا يسكنون هنا.. وكان ان عمدت ناشئة الفن والادب, الى سكنى مثل تلك البيوت وغشيان ما يحف بها من نواد وقهوات اشهرها ما يحمل اسم قهوة فيجارو او قهوة روما العتيقة لعل وعسى ولا يخفى عليك طبعا ان من بين هذه الفئة نوابغ ومواهب وان كانت تضم ايضا صنوفا من المدعين والمجانين على السواء. تصل صباح الاحد الى فرع يونيون سكوير من المكتبة.. اربعة طوابق يحتلها الفرع المذكور.. كل شىء لامع نظيف براق قابع في انتظار الزيارة تطالعك في ردهة المكان اللافتة التي تصوب إليها نظراتك ـ انت الغريب الوافد المشبع بفضول العالم الثالث واشواقه الى الجديد ـ لافتة (احدث الاصدارات) او (آخر ما نشرته المطابع) .. يحييك حارس الامن الزنجي الذي اصبح يألف مرآى الغريب الوافد كل اسبوع.. كيف لا.. والتناقض من اوضح ما يكون بين السمرة الداكنة التي تعلو سحنة الحارس بأصله الافريقي وبين البياض الثلجي او يكاد يكون.. ذلك الذي يعلو فودي الزائر القادم من بلد بعيد.. رآه لو يعلم الحارس الاسمر الشاب ان الوافد انما جاء من افريقيا ولعلهما يشتركان ولو بصدفة تاريخية في بعض الاصول او الجذور. في الطابق الاول ـ كما ألمحنا ـ احدث الاصدارات ومعها قسم التراجم والسير والنثر غير الفني بمعنى اصدارات السياسة والتاريخ والعلوم وما في حكمها. في الطابق الثاني وتصعد اليه عبر السلم الكهربائي تجد الاصدرات الاكاديمية التي تتوفر على نشرها الجامعات, المرموقة على وجه الخصوص, وفي الثالث تصافحك الاصدارات الالكترونية ـ اقسام الكتاب ـ الفيديو, والكتاب المسموع على اشرطة, ثم اقراص الليزر الممغنطة (سي. دي. روم) ومنها ما يحوي دائرة معارف شاملة كاملة. وفي الطابق الرابع تجد الكافتيريا ويتناهى الى الخياشيم عبير القهوة اللذيذة الطازجة ـ الاروما كما يسميها الامريكان وقد جاورها القسم الآخر الذي يهوي اليه الغريب الوافد من بلاد اليعاربة الميامين: هو قسم الدوريات.. مجلات سيارة متعددة من حيث مواقيت الصدور, متباينة الى حد يروع المرء حقا من حيث المواضيع والاهتمامات. هنالك يامولانا ـ لا مناص ـ من ان تفرش ارضية المكتبة كي تقلب بين عشرات المجلات الشهرية والفصلية والاسبوعية.. ولا جناح عليك فالارض حافلة بعشرات القاعدين.. فضلا عمن هداهم التبكير الى حيث احتلوا المقاعد الوثيرة والارائك الفاخرة التي بثها القوم في ارجاء المكان الذي تترامى من زواياه موسيقى كلاسيكية هادئة بالغة العذوبة والنعومة. اخيرا تصعد الى الطالب الخامس ـ الاخير ـ حيث المسرح الصغير (نحو 100 كرسي) وهم يستخدمونه لزوم محاضرات واحتفاليات الشعراء والمؤلفين ولقاءات الكاتبين (كان منهم مؤخرا الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر وقد بدا موفور الحيوية رغم انه يشارف على الثمانين) ذات احد دلفنا الى ردهة فرع يونيون سكوير.. كان اول ما طالعنا كتاب دقيق الحجم راعنا تصميمه في منمنمات شرقية من اجمل ما يكون من ابداع فنان اسمه ستيف سنايدر وسرعان ما امتدت اناملنا الى احتوائه..