تعتبر افريقيا تمثيلا نمطيا لمسرح تهدر عليه ابتسامات الطفولة التي ارقتها اناشيد الموت البطيء. فمن السلفادور, إلى نيكاراجوا, ومن افغانستان إلى العراق وغيرهما من مدن العالم, وصولا إلى افريقيا, نجد ظاهرة (الاطفال الجنود) صورة مكبرة جلية عن المنازعات والاقتتال الاهلي وعبث الحرب وشبح المرض والموت , اطفال وجدوا انفسهم ببزات عسكرية تحمل رتبا, ويعهد اليهم بمهام القتل والسرقة والاغتصاب والتشويه والتجسس, وغيرها من اعمال الحرب القذرة, اطفال التقطوا من الشوارع والملاجىء ومخيمات اللاجئين, أو تم اختطافهم من ذويهم لاستخدامهم كطلائع لاستكشاف حقول الالغام أو جواسيس بسبب ميزة صغر سنهم التي تبعدهم عن الشبهات, وسرعة حركتهم, بالاضافة إلى جاهزيتهم لتلقي الاوامر أو اية معتقدات دينية أو ايديولوجية تملى عليهم. ويتبع الترهيب تارة, والترغيب تارة اخرى في عملية تجنيدهم, وذلك عن طريق اجبارهم على تعاطي المخدرات أو مغازلة روح المغامرة لديهم والمنافسة في اعلاء قيمة القوة البدنية, أو التأثير عليهم دينيا أو ايهامهم ان عملهم وطني يستحق الشهادة, مستغلين غيبة العقل لديهم, ولعل اليتم المبكر وعدم الاستقرار والنزوح المستمر وعدم الشعور بالامان, هي السبب في دفع هؤلاء الاطفال إلى المغامرة بابتساماتهم وافراحهم على جبهات القتال, ناهيك عن تدني المستوى الصحي والتعليمي وزيادة معدلات الفقر, كل ذلك يدفعهم إلى الانضمام إلى ميليشيات, تبدو لهم انها الامان الوحيد والاسلوب الامثل لمواجهة الحياة بطلقة بندقية تخرج من افواه بنادقهم إلى صدور مجتمع ارادوا الانتقام منه, هناك يجدون المأكل والمأوى والاهتمام والاحساس بالاهمية. ويكفي للتدليل على حجم المأساة, ان جيش المقاومة الوطنية الذي تولى السلطة في اوغندا عام ,1986 جند 3000 طفل من بينهم 500 طفلة, اغلبهم من الايتام, ضحايا الحرب الاهلية التي اسفرت عن مقتل 200 الف شخص, وفي موزمبيق, تم تجنيد 8000 طفل, وفي سيراليون (الجبهة الثورية الموحدة) تم اختطاف 10000 طفل لاستغلالهم في اعمال الحرب وهذا غيض من فيض يغمر القارة الافريقية. النتيجة, اعاقات وتشوهات وامراض شتى, وبالتالي استنزاف لثروة بشرية مستقبلية, اغتيلت براءتها من الداخل, لتصبح شخصية عدوانية, لا تعبأ بالموت, مصابة بخوف دائم وهزات عصبية لا تنقطع.