يبدو أن كليو ملهمة التاريخ لن تنتهي من كتابة تأبين جون.ف. كنيدي أو ديانا أو ألفيس بريسلي أو عبدالناصر أو أم كلثوم التي اثبتت أنها لم تمت بعد, ويبدو أكثر ان الشعلة ستظل متأججة بفضل عشرات الكتب والروايات والسير والأفلام والمسلسلات التي تدخل تحت خانة الأكثر مبيعا أو الأكثر مشاهدة, بفضل التكنيك الاعلامي الذي لا يخلو من بذر الشائعات والتكهنات والقصص والتقارير والاوراق القديمة ونبشها, والتي تجد تربة خصبة للنمو. وهناك أيضا أسباب نفسية وتاريخية تسهم في تشجيع نزعة تضخيم الحزن والشعور المأساوي لدى الناس وميلهم الغريزي الى رفع فن التحرز الى مستوى الاسطورة, بل وأحيانا الخرافة. فالأساطير القديمة قدم الانسان تقضي بأن الملك لا ينتهي أو يموت مثل بني البشر في فراشه لأنه فوق بقية الناس ولابد أن يموت نتيجة للدسائس وعلى أيدي قوى خارقة مثله, وفي هذا القرن الذي صغر فيه العالم واتخذ شكلا جديدا من التقارب الحميم بفضل الاتصالات والثورة الاعلامية والمعلوماتية الفورية تضخم ايضا مفهوم قتل الملك وأصبحت مقاييس كليو ملهمة التاريخ تتجدد وتتشكل بوجه العصر والحدث وتصبح منطقية وداعية الى التأمل, بل تذهب الى اكثر من ذلك حيث تخضع الى أهواء سوق تجارية ليست معصومة عن المبالغة والتشويه الفاضح في بعض الحالات. ومثلا لما عرض فيلم جي. اف. كي في بداية التسعينيات عن اغتيال الرئيس الأمريكي الاسبق جون كنيدي اثار ضجة كبرى, لكنه لم يحظ بالتقدير الذي كان ينتظره, ولذلك اسباب عديدة أبرزها أنه اثار من التساؤلات اكثر مما قدم من الأجوبة عن تساؤلات سابقة عن الاغتيال, رغم انه لم يدع انه يقدم أي أجوبة, بل اراد ان يقول بأن الاغتيال كان مدبرا وأن كل ما قيل وأذيع ونشر هو تغطية لحقيقة ما جرى. الناس بدورهم لا يعرفون ماذا يصدقون, لكنهم تمتعوا بكل الاثارة التي حملتها الشائعات والأقاويل والقصص وما أفرزته وأبرزته الصحف حول هذا الموضوع, وهذا نفسه ما حدث في حكاية الأميرة ديانا. ومن يرصد أوراق التاريخ يكتشف بسهولة اللعبة الاعلامية وابراز الصورة وتقريبها بشكل مثير, فجون كنيدي كان أول رئيس تلفزيوني للولايات المتحدة, اي أن التلفزيون نقله وزوجته جاكي الى منازل الامريكيين, فتحولا الى نجمين ودميتين ملوكيتين, وليس هناك جديد في هذا القول, فالاساطير القديمة مليئة بالابطال الذين سقطوا صرعى في معارك هائلة على ايدي اشرار اسطوريين, ويبدو ان أناس هذا الزمان يستمتعون بما تخفيه الاوراق القديمة من أسرار وخرافات, ولهذا يحقق لهم الاعلام بشكله المثير تلك المتعة, فهم لا يريدون ان يموت الملك او بشكل اكثر دقة لا يفهمون لماذا قتل؟ ولأن المؤامرة تحلو للكثيرين أصبحت فكرة القتل بمؤامرة مقبولة أكثر, خاصة مع شخصيات كارزمية تلتف حولها الجماهير, ولهذا نسجت أساطير وروايات كثيرة حول اغتيال كنيدي ومثلها حول الرئيس الامريكي ابراهام لينكولن الذي لا يزال حادث اغتياله يثير الأخذ والرد.. وقد قال لويد لويس في كتابه الأساطير بعد لينكولن والذي أبصر النور في العشرينيات (ان الانسانية القديمة لا تصدق ان اعظم ابطالها قد ماتوا وتحولوا الى غبار مثل تراب بني البشر العاديين) . ومن هنا يؤكد الخبراء في الشأن النفسي على ان وجود الدافع السياسي والاقتصادي يجعل من السهل تصديق القصص التي تحاك بالتكهن, فالنفس لديها ميل فطري للتحليل والحسابات, والشائعات التي تتفشى في باحات المدارس تتحول بعد جيل الى اساطير, والشخص الذي ينشر الشائعات هو في العادة شخص مكانته متدنية بين اترابه, لذا تجده يحاول بنشره الشائعات ان يبدو عالما ببواطن الأمور ولا ينبغي بالضرورة ان يكون مسئولا عما يقول, فقد سمع ما يقوله من صديق, سمعه بدوره من صديق, وهكذا.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا.. كيف تتحول الشائعات الى حقيقة؟ ببساطة نقول ان الناس يصدقون الشائعات بسبب الغموض الذي يلف الاشياء التي يبحثون عن أجوبة لها, وأحيانا أخرى لأنها تؤيد نظرتهم الى الأمور, أو لأن الاعلام بأشكاله المختلفة كرّس شكلاً أو نموذجاً لا يجب اختراقه أو الاقتراب منه بشكل قطعي, لهذا ما أن يتهاوى هذا النموذج حتى ترى هؤلاء المبهورين به يتساقطون نفسياً غير مصدقين ما يحدث, فتنمو الاشاعة وتكبر بشكل يجعلها تخترق الممنوع لتغتال روعة الاشياء وصدقها وبراءتها.. وهنا يتوزع الناس فيما بينهم يبحثون عن جزئيات صغيرة من نموذجهم المتساقط لعلهم يظفرون بشيء منها.. ولهذا تتكاثر الورود وتتساقط الدموع, وما بين الدمع والورد تكبر الاسطورة!