اذا اصابك زحام المدينة والناس, اذا اصابتك الكآبة وحل فيك ضيق الصدر, لابد ان تهرب من الاختناق, من ضيق المكان والنفس. ابحث عن فسحة, بقعة صافية تسكنها السكينة لعلها تمنحك شيئا من وحشتها وصمتها. (محافز) واحدة من البقاع الصامتة الساكنة, فيها بعض من سحر الطبيعة لا تزال تحتفظ بـ (الغاف) و (الاشخر) تخرج فيها الأرض نبتها بسخاء. تتحرك جبال عراقيبها الرملية بتلقائية, تسكن عندما يهدأ الذاري, وتتمدد عندما تقبل العاصفة. بطاحها صافية لم يقترب منها التلوث وكذلك هواؤها. ولم تتعرف بعد على اكوام نفايات المدينة. هذه الـ (محافز) لك فيها ان تقضي ليلة او ثلاث, مثل سائح مواسم العطلات والمناسبات. يمكنك عندها ان تترجل, تنزع نعلك, ترسل رجلك, تغوص مطمئنة في بحر من رمال نظيفة, تختزن الصحة والنشاط وتمتص منك التعب. يمكنك ان تمشي, تهرول, تسابق الريح, تنام, تصرخ, تضحك, تنادي, تصمت, تتحول الى طفل, او تتخيل ارذل العمر عندما يحل عليك. لك ان تعمل ما تشاء في بقعة صامتة, لا صوت فيها سوى الصدى. في (محافز) لابد ان تتولد قصيدة او قصائد, قلب الشاعر اذا مر بهذا المكان يحاصره الالهام, يخرج عشقه, وكلماته, يبوح عن بعد لكائن يسكنه, يشعر به مثل هذا المكان بعيدا عنه, قريبا منه. تعرفت على (محافز) اول امس ولاول مرة, وبالصدفة, فحدث ان كنت طوال الاسبوع الماضي في مؤتمر التصحر, مشغولا بواجبات اعلامية عديدة. اطالع كل يوم ألوانا من وجوه اناس جمعهم التصحر من مختلف بقاع العالم. في اليوم الاخير احتجت الى ان ابحث عن صمت وهدوء الصحراء الذي لم اجده طوال ايام مؤتمر التصحر. قرب احد الجسور الواقعة على طريق الشارقة ـ الذيد, وجدت لوحة تشير الى بقعة رملية, سرت على الطريق الجانبي, اشار السهم الارشادي الى ان هذه هي منطقة (الرشيدية), في هذا المكان يبرز دور الدولة في سياسة تسكين البدو, وتوفير وسائل الحياة العصرية لهم في اعماق الصحراء, والطرق الاسفلتية الحديثة, محطات الهاتف والكهرباء والمساكن الشعبية. هنا درس عملي في مكافحة التصحر, وتعمير الارض الجرداء. امام مدخل الرشيدية لوحة ارشادية كبيرة لمناطق اخرى بعدها, هذه اللوحة كتب عليها اسم وحيد هو (محافز) . اخذت الطريق الاسفلتي القديم, كنت عليه كالغريب الذي يزور بلدا جديدا, مشدودا حائرا يطالع كل شيء يمر عليه. وكل الذي يمر عليه مجرد رمال واشجار صحراوية, ولكنها في اشكال وتكوينات فنية مختلفة. في هذا المكان تتمنى ان تحمل الوانك واوراقك وعدستك ان كنت من المنتمين الى هواة الرسم أو التصوير, ستجد في (محافز) خيال الابداع الذي يراودك وتتمنى ان تقبض عليه في سانحة او مكان ما. الوقت الذي كنت اتحرك فيه, وهو بعد العصر, وقبيل ان تقترب الشمس من مغيبها, لم يكن احد يتحرك على الشارع الذي اسير عليه سوى مجموعة من الجمال, كانت النوق وصغارها تتحرك بخطوات واثقة على الطريق المعبد, كأنه بني لها وحدها, لا تخاف ان يقترب منها احد. يلتف الشارع الاسفلتي امام مرتفع رملي, شيدت على احد جوانبه مساكن شعبية جديدة لم تسكن بعد وينحدر الشارع نحو الشعبية القديمة. تلمح من بعيد مزرعة او اثنتين تزينهما اشجار النخيل. كم هي عظيمة هذه النخلة, تأنس في الصحراء الموحشة, وتظل هامتها طويلة, مرتفعة دائما, اوراقها خضراء لا تتبدل ولا تتلون. ينتهي الشارع عند جدار المسجد القديم, الانسان الوحيد الذي صادفته كان امام المسجد, احد الاخوة العرب. اسئلة عديدة احملها ابحث لها عن اجابة: كم عدد الذين يسكنون هذه المنطقة؟ منظر المساكن الشعبية المتلاصقة يقول ان تعدادهم بالعشرات فقط. ولماذا هي (محافز) ؟ لماذا سموها بهذا الاسم؟ من اين جاءت تسميتها من الحافز او من المحافز, او انها سميت على اسم شخص ما؟ قد يعرف امام المسجد بعض الاجابات, لكنه بالتأكيد لا يعرف تاريخ المنطقة. ووجدته امرا عظيما ان يجهل مواطن وطنه ويسأل غريبا مثل هذا الامام. عدت قبل ان تغيب الشمس, وهذه المرة ابحث عن احد الاهالي قد اصادفه على الطريق. مجموعة من العمال الاسيويين, شاهدتهم يمشون في الاتجاه الآخر للشارع. كيف وصلوا الى (محافز) ؟ (محافز) التي يجهلها اغلب ابناء الوطن. كيف سبقونا الى هنا؟! غريبة.. ومصيبة ان يصل هؤلاء قبلنا!