الانسان كائن مفطور بالعواطف, فهو يأسى من كلمة ويفرح من كلمة, متقلب الأهواء غير ثابت على حال, وقد تصدأ الروح وتحتاج الى صقل وتهذيب, وقد أدرك الانسان ذلك, فأبدع الحداء ووجد انه خليق بالروح, فراح يحدو ويشدو, ومن ثم وجد نفسه بحاجة الى آلة ينسج من خلالها حداءه , فاخترع آلات الموسيقى. فكان في البداية العود والطنبور وتطورت هذه الآلات عبر الزمن, ولا شك ان الموسيقى تسمو بالنفس البشرية وتجعلها تستجيب للحقيقة المطلقة, فتسمو بها الى المحل الأعلى. والموسيقى وحدها قادرة على اعادة الانسجام والتناغم لهذا العالم الحزين نتيجة ثقل الواقع وعماء المادة وهي لغة التعارف وجسر المحبة الذي يعبر عليه الآخرون من والى ثقافات مختلفة, لا تؤثر في هذا العبور حدود ولا فواصل زمنية, أو حتى طبقات اجتماعية, ومن هنا فان الموسيقى اصبحت سفيرا يطلق على كل من ينقل ثقافة بلده وفنه الى بلدان أخرى. فلكل بلد تراثه وفلكلوره, والفلكلور يعبر عن حياة شعب ما عبر مئات من السنين والحالة التي هو عليها. ومن هنا فقد كرس وزير الثقافة الفرنسي السابق يوما كعيد للموسيقى وتبعته في ذلك كل دول أوروبا, وقد عشت العام الماضي هذا اليوم في باريس حيث يخرج كل الباريسيين بأطفالهم الى الشوارع والميادين ويستمعون الى كل انواع الموسيقى وأشكالها ويسهرون حتى الصباح, لأنهم يدركون أن الانسان الحضاري ترقيه أنواع الفنون وخاصة الموسيقى, وهم يعلّمون اطفالهم تذوق الجمال في سن مبكرة من حياتهم. وفي ايطاليا وبالتحديد روما تقدم أهم المسارح والصالات الأعمال الموسيقية المهمة للموسيقار (ريتشارد شتراوس) المعروف بتأليفه لرقصات (الفالس) وأيضا أعمال الموسيقار الملحمي (فاجنر) والسيمفونية الخالدة. وفي ولاية كاليفورنيا ـ الولايات المتحدة ـ عادة ما يقوم معهد هذه الولاية للفنون باختيار أفضل اثنين كل عام ليكونا سفيرين موسيقيين في جولة عالمية للالتقاء بالآخرين وسماع موسيقى مختلفة وايجاد حوار فني بين الشعوب. لعله يأتي يوم تصبح فيه الموسيقى لغة حوار بين الشعوب فترتقي النفوس وتخلص من نزعة الشرور والحروب. ولكن ما يجدر التنويه اليه, هو أن المغلوب دائما يقلد الغالب ومن هنا, فاننا نجد في مجتمعاتنا من يولع بالموسيقى الغربية ـ الديسكو والجاز ـ وينسى تراثه ويعتبر أن هذا تقدم وحضارة, وفي اعتقادي ان هذا هو التخلف بعينه, لأنه لا يمكن للشعوب ان تقوم الا بتراثها, من خلال احياء هذا التراث وادخاله عنصراً في شخصيتها الفردية والقومية والانسانية. ان استخلاص الابداع من الماضي وتملكه هو جوهر التأصل وقوامه والجهد للابداع في الحاضر والمستقبل هو جوهر المستقبلية الصحيحة, وتثبت المستقبلية أنها هي الأمينة على تراث أمانة حقيقية. ان العقلية المستقبلية الصحيحة ليست معادية للتراث ولا مناقضة للأصالة ولا مهدمة للذات القومية. بل هي على العكس, المتعلقة بها جميعاً, العاملة لصونها ورعايتها وتحقيق قابلياتها.