خلال الستينيات كان ثمة تطلع الى المستقبل, وحركة بناء في المجتمع, لكن كانت هناك مشكلة حرية سياسية وثقافية ان جاز التعبير, كانت الرقابة شديدة على الصحف, والمطبوعات, وحتى منتصف السبعينيات كان لابد من الحصول على تصريح بطبع اي كتاب من ادارة تقع في مبنى الهيئة العامة للاستعلامات. وبعد طبع الكتاب لابد من الحصول على تصريح آخر. وبالنسبة لي كنت اعبر منذ البداية عن تناقضات اجتماعية وعن هموم سياسية, عن الفقراء الذين جئت من بينهم ومازلت ملخصا لهم, وكنت اشعر بوطأة الرقابة البوليسية, لقد نما جيل الستينيات كله في ظل هذه الرقابة, كنا نمشي نتلفت خلفنا, ونشك في كل من نعرفه ومن لا نعرفه, ونسمع عن عمليات التعذيب في المعتقلات, والكهرباء التي تصعق الابدان, والاعتداءات على الاعراض, لذلك نمت داخلي كراهية عميقة وحادة لتلك الاجهزة التي تقوم بقهر حرية الانسان, وقد عانيت المهانة عندما سجنت عام ,1966 وعذبت, وتلقيت الصفع والركل وسمعت بأذني سب والدي, انا الاسير الذي لا يمكنه الرد. مهما مر من وقت, لن أغفر للجلادين الذين الحقوا بي ذلك أبدا. كان ذلك موضوعا ضاغطا, قويا, ومازال يمثل شاغلي, ولخوفي الشديد من تلك الاجهزة انشغلت بها وبالقراءة عن اساليبها في القهر. منذ فترة مبكرة اعجبت جدا برواية اورويل (العالم 1984) واذكر ان اصدقائي الماركسيين كانوا يستنكرون اعجابي بتلك الرواية, على اساس انها استخدمت في الدعاية ضد النظم الماركسية, ولكنني كنت اعتبرها موجهة ضد انظمة القهر التي تدين حرية الانسان بشكل عام, رأسمالية كانت أو اشتراكية, والحق انني اعتبر الحرية من أهم المحاور التي تدور حولها همومي, وكثيرا ما اشعر بالحزن لأنني جئت في زمن لا يتوفر فيه القدر الادنى من الحرية في كل المستويات, حتى لا نشعر ان سنين غالية أهدرت من أعمارنا ونحن ندافع عن البديهيات, فلم نعش حياة عاطفية سليمة, ولا سياسية, ولا اجتماعية, هذا ما ينطبق على جيلي كله, وها نحن ندنو من النهاية بحمل ثقيل من الاحلام المجهضة, وفي واقع تتدنى فيه كل القيم. كيف اذن يمكن التعبير عن موقف ضد القهر في ظل وطأة اجهزة القهر عينها؟ كانت القصة الاولى التي شعرت أنني حققت فيها قدرا كبيرا من حريتي في التعبير, وقدرة على التوفيق بين الشكل والمضمون, وامكانية التحايل على الواقع الضاغط هي قصة (هداية أهل الورى لبعض مما جرى في المقشرة) . تخيلت انني عثرت على مخطوط قديم في احد مساجد الجمالية, عبارة عن شذرات من مذكرات آمر سجن المقشرة في العصر المملوكي, وكتبت القصة بأسلوب يحاكي اساليب السرد القديمة في العصر المملوكي, وعندما قدمت القصة للنشر الى جريدة المساء, قرأها الاديب عبدالفتاح الجمل الذي تحمس لها جدا, واعتبرها مرحلة جديدة في فن كتابة القصة, وقدمها الى الرقيب فأجازها على انها مخطوطة قديمة فعلا. اذن, لم يكن لجوئي الى الاساليب القديمة نتيجة احساس قوي بالوطن, ومعايشة طويلة لمصادر التاريخ العظمى, وقلق فني, انما كان ايضا وسيلة للمراوغة. لقد كانت قصة (المغول) وقصة (هداية أهل الورى لبعض مما جرى في المقشرة) ومن بعدهما قصص (اتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان) و(غريب الحديث في الكلام عن علي بن الكسيح) و(دمعة الباكي على طيبغا منصف الشاكي) . لقد اكتشفت مع الزمن ان القصص القصيرة غالبا ما تكون تمهيدا لعمل روائي كبير, لقد كانت هذه القصص بمثابة خطوات مؤدية الى (الزيني بركات) وفيما بعد كانت (وقائع حارة الطبلاوي) تمهيدا لوقائع حارة الزعفراني, اما مجموعة (ذكر ما جرى) فيمكن اعتبارها كلها مؤدية الى روايتي (خطط الغيطاني) فماذا عن (الزيني بركات) ؟ الحق انني لم اقصد ان تكون الرواية بالشكل الذي انتهت اليه, لا على مستوى الشكل ولا المضمون, بدأ الأمر بتوقفي عند شخصية غريبة, محيرة, ترد اخبارها في بدائع الزهور في وقائع الدهور, لقد بدأ الزيني بركات بداية متواضعة, ثم يصبح زمن السلطان الغوري من اهم شخصيات الدولة المملوكية, وبعد زوال تلك الدولة وتحول مصر من سلطنة مستقلة الى ولاية تابعة للدولة العثمانية, يستمر الزيني بركات في الصعود أيضا, وتنتهي سطور ابن اياس بذكر طلوع امره. هذه الشخصية الانتهازية, تلاقت عندي بملاحظتي لشخصية اخرى في الواقع, تمارس قدرا كبيرا من الانتهازية, ولكنها انتهازية من نوع مختلف, من نوع عصري يتوافق مع مجتمع الستينيات, بعكس انتهازية محجوب عبدالدائم في الثلاثينيات, او الانتهازية اللاحقة في الثمانينيات, حقا.. لكل عصر منطقه. هكذا.. بدأت تدوين الملاحظات والخواطر في كشكول ضخم اخصصه للعمل الروائي بمجرد ميلاد فكرته او الاحساس به, ولأن الرواية ستدور احداثها في العصر المملوكي, بدأت اعيد القراءة في مصادر العصر لاستيعاب التفاصيل, اسماء الشوارع القاهرية, الوظائف, انواع الطعام, المشروبات, مثلا لا يمكن لشخصية في الرواية ان تشرب كوبا من الشاي, لأن الشاي لم يدخل مصر الا في القرن التاسع عشر. اما القهوة فكان هناك خلاف كبير حولها بين الفقهاء, كذلك العادات, وحتى الثياب وأجزائها والاثاث المستخدم, وكافة التفاصيل المتعلقة بالعصر. بدأت كتابة الرواية بذلك التخيل, وكان الشكل تقليديا, رواية تدور حول شخصية انتهازية من العصر المملوكي, تنقسم الى عدة فصول, ولكن المشروع تعثر, لم استطع الاستمرار. كان هناك فارق كبير بين ما يعتمل داخلي وبين ما يظهر على الورق, ومن خلال فترة معاناة شديدة, بزغ الحل, وانطلقت في كتابة الرواية, بادئا من نقطة النهاية, مقيما سبعة سرادقات, داخل كل منها عدد من الشخصيات وخارجها ايضا, ولكن ما فاجأني انا شخصيا هو تغير الموضوع نفسه, لقد اصبح الزيني بركات غائبا وحاضرا وعلى امتداد الرواية لا يظهر الا في مشهد واحد مباشرة فيما عدا ذلك نحن نقرأ عنه, ونراه من خلال الآخرين؟ هل اقول ان خوفا ما ادركني فآثرت ان ادور حوله؟ ربما.. المهم ان الرواية لم تعد رواية شخصية انتهازية, انما اصبحت رواية عن عالم البصاصين, عن وسائل قهر الانسان, كيف يوظف جهازا قمعيا هائلا لتغيير انسان, لتحويله من انسان نقي, شفاف, ثوري, الى عميل يأتمر بأمر هذا الجهاز, هذا ما جرى لسعيد الجهيني الذي يفقد حريته, وارادته تماما. لكن في نفس الوقت الذي يتم فيه ذلك, يفقد الوطن ايضا حريته, ان مصادرة حرية الانسان هي المدخل المؤدي الى مصادرة حرية الوطن, وتدمير البشر يؤدي بشكل طبيعي الى تدمير أوطانهم ايضا. لكن.. هل كان يوجد في الواقع مثل هذا الجهاز الذي صورته في الرواية: الاجابة يعرفها كل من قرأ التاريخ المملوكي, فلا وجود لمنصب كبير البصاصين الذي تخيلته, ولا لهذا التنظيم الحديدي, القمعي, هذا جهاز من عصرنا وفيه عناصر متخيلة لم توجد بعد, ولكن حتى يتم تجسيده تماما كان لابد من استيعاب تفاصيل العصر المملوكي تماما ثم تفكيكها واعادة صياغتها مرة اخرى بما يتناسب مع الهدف الذي فرض نفسه اثناء كتابتي الرواية. والحقيقة ان جوهر القمع واحد في شتى العصور.