يعتبر السيد غابريال كولكو الاستاذ في علم الاجتماع والسياسة في الولايات المتحدة أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة هي اكثر ذنبا في اتساع رقعة الحرب الباردة من سياسة الاتحاد السوفييتي السابق, وعلى الرغم من ان معظم علماء الاجتماع الامريكيين لا يتفقون مع طرح السيد كولكو , الا ان اكتشافاته لمواطن الضعف في السياسة الخارجية الامريكية منحته جزءا كبيرا من المصداقية, فعلى سبيل المثال وعلى العكس تماما من العداء السياسي للشيوعية الذي اتبعته الولايات المتحدة في نهجها الخارجي في أوروبا, وذلك بغية تعزيز الاسس الديمقراطية في الدول الاوروبية, اتبعت الادارة الامريكية سياسة خارجية اخرى في آسيا اختلفت في الجوهر والمضمون عن سياستها في اوروبا, حيث انها اتبعت نهج الاحتواء من خلال دعمها للانظمة الشمولية (المطلقة وغير الديمقراطية) وصمتها على الانتهاكات المتعددة التي شهدتها الدول الآسيوية, الامر الذي ادى إلى عرقلة التطور الديمقراطي بدلا من دفعه إلى الامام وظهور حكومات لا تستطيع الاختيار الا بين الشيوعية أو الديكتاتورية, وهذا ما جعل الولايات المتحدة تجد نفسها دوما في مآزق تتراوح بين السيىء والاكثر سوءا. واوضح السيد كولكو انه يقيم الحروب التي شهدها القرن الماضي من موقع اخلاقي مرتفع, وانه يعتقد ان الدول التي شنت الحروب لم تفشل لاسباب فلسفية واخلاقية فحسب, بل بسبب عدم قدرتها على ايجاد التوازن بين النتائج التي نجمت عن تلك الحروب, وهذا ينطبق على الحرب الكونية الاولى والثانية ايضا, حيث تغيرت موازين القوى العالمية وبرزت معطيات لم يكن يحسب لها اي حساب, ولاسيما منها ظهور الكتلة الاشتراكية في دول شرق اوروبا, وعلى الرغم من ان هذا الطرح قد يبدو للوهلة الاولى مقنعا وأن الكتاب الذي اصدره بهذا الشأن تحت عنوان (قرن الحروب) مليء بالوقائع والاحداث, الا ان كولكو لم يجر بحثا منهجيا معمقا لاسس وظواهر الحروب, فمثلا لم يستطع الاستاذ كولكو الاجابة عن سؤال مفاده, إلى أي مدى يمكن ان تكون الحروب ضرورية ونافعة؟ وهل كانت الحروب السابقة ضرورية أو نافعة؟ وهل توجد فعلا حروب عادلة أم لا؟ كذلك لم يتطرق الاستاذ كولكو في كتابه المذكور إلى الحروب الهجومية أو الدفاعية, وابقى كتابه بقصد أو غير قصد يفتقر إلى الرسوم البيانية الوافرة التي توضح التطورات المدنية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية للقرن المنصرم, كما انه توصل إلى نتيجة مثيرة للجدل هي: انه لولا الحرب الأولى والثانية لما ظهرت التجربة الشيوعية في أوروبا الشرقية, علما بأن هذه النتيجة أو الفرضية من الصعب ايجاد البراهين القاطعة عليها, كذلك من الصعب القبول بما قاله كولكو في كتابه ان القرن الماضي لم يكن قرنا فاشيا أو شيوعيا لو ان الولايات المتحدة لم تقف إلى جانب الدول المهددة بهذين الخطرين وتمد لها يد العون. غير ان كولكو يعود ويناقض نفسه عندما يؤكد ان الاسباب الحقيقية لحروب القرن العشرين تكمن في الرأسمالية ونظام الحكم في الولايات المتحدة, لان حروب الرأسمالية هي توسيع للاسواق بوسائل اخرى وحرب فيتنام دليل على ذلك, لكن هل يكفي هذا المثال للتعميم؟