كانت بداية هذا القرن حافزا على اثارة عشرات من الاسئلة في ذهني حول خبرات الماضي وتوقعات المستقبل, بعض هذه الاسئلة دار حول معاني الزمن المتعاقب وعلاقته بتتابع الاجيال المؤثرة, وكان السؤال الذي حاولت الاجابة عنه مستعينا بالمعاجم الموسوعية وقوائم التراجم هو : هل هناك علاقة بين بداية القرن وولادة اهم الشخصيات المؤثرة فيه؟ وكنت اتصور ان الاجابة البديهية لابد ان تكون بالايجاب, خصوصا ان ذاكرتي لاتزال تحتفظ باسماء بعض من ولدوا في مطلع القرن, وتركوا اثرا في آدابه أو افكاره, وأخص بالذكر منهم الشاعر الفرنسي جاك بريفير والشاعر اليوناني جورج سيفيريس, وكلاهما ولد سنة 1900 على وجه التحديد, قبل سنوات معدودة من ولادة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر سنة ,1905 ويمكن ان اضيف إلى هذه الاسماء اسماء اخرى تدعمها, وتضيف ما يزيد من امكان قبول احتمال وجود علاقة بين بداية القرن ومولد اهم شخصياته. ولكن كانت المشكلة الاولى التي واجهتها وأنا اختبر سلامة هذه الفكرة ان الاسماء الاكثر تأثيرا في حياة القرن العشرين وآدابه وتياراته الفكرية والابداعية, بل توجهاته وانجازاته العلمية, لم تولد مع مفتتح القرن العشرين على وجه التحديد, وانما ولدت في القرن السابق عليه, خذ مثلا في السياسة اسماء فلاديمير لينين الذي غير الخارطة السياسية للقرن العشرين بالثورة السوفييتية سنة ,1917 وظل فكره علامة على اتجاه سيطر على اقطار عديدة, ولايزال مسيطرا على بعضها إلى اليوم, رغم انهيار الشيوعية العالمية, تجد ان لينين مولود سنة 1870 في القرن التاسع عشر, شأنه في ذلك شأن جوزيف ستالين خليفته الذي ولد بعده بتسع سنوات, أي سنة ,1879 وظل ينشر الرعب حوله إلى أن توفى سنة ,1953 وفي هذا الاتجاه, يمكن تذكر اسم ماوتسى تونج الذي ولد سنة 1893, وهو شى منه الذي ولد سنة 1890 وفي اتجاه مضاد, يمكن تذكر ادولف هتلر الذي ولد سنة 1889, والذي اشعل الحرب العالمية وتسبب في موت ملايين الابرياء, وعلى الضفة المقابلة هناك غاندي الذي ولد سنة 1869, وقاد الهند كلها الى الاستقلال عن التاج البريطاني الذي كانت الهند جوهرته الفريدة, ومن ناحية اخرى, هناك فرانكلين روزفلت صانع الوجه الحديث للسياسة الامريكية, وقد ولد سنة 1882 قبل شارل ديجول الزعيم الفرنسي الذي ولد مع دوايت ايزنهاور الامريكي في سنة 1890 وقبلهما بسنوات عديدة ولد وينستون تشرشل في انجلترا سنة 1874. واي تأمل بسيط للاسماء السابقة لابد ان يشكك في سلامة الفكرة التي بدأت بها, والتي ظننتها صحيحة من الناحية النظرية على الاقل ولكن من الواضح انه لايوجد تطابق دائم بين حركة ولادة الاجيال التي ينبع منها هذا الفرد او ذاك وحركة السنوات التي تحدد بداية القرن, ومن حيث الظاهر على الاقل, لاتوجد دلالة مطابقة تجمع بين ولادة لينين سنة 1870 في القرن التاسع عشر وولادة هتلر سنة 1889 او ولادة ديفيد بن جوريون سنة 1886 ويمكن ان نقول الامر نفسه عن المفكرين والمبدعين فقد ولد جورج برناردشو الاديب البريطاني الكبير وسيجموند فرويد رائد التحليل النفسي ومؤسس تياراته الحديثة معا سنة 1856, كما ولد كارل يونج الذي تولى الكشف عن اللاشعور الجمعي سنة 1875, قبل سنوات قليلة من ولادة الاديب الفرنسي مارسيل بروست سنة 1871 الذي يعده البعض اهم كاتب رواية في القرن العشرين, وقد ولد مارسيل بروست بدوره قبل عام واحد من ولادة الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند رسل سنة 1872 صاحب فلسفة الوضعية المنطقية التي يعدها الكثيرون الفلسفة الموازية للتقدم العلمي الحديث في القرن العشرين وبعد سنوات معدودة من ولادة رسل ولد ألبرت اينشتاين صاحب النظرية النسبية سنة 1879, ولايزال الكثيرون ينظرون اليه بوصفه اهم شخصية علمية في القرن العشرين وقد جاءت ولادته بعد حوالي ثلاثين سنة من ولادة المخترع الكبير توماس اديسون سنة 1847 الذي ندين له باختراع الكهرباء. واذا عدنا الى المبدعين وجدنا ان الشاعر توماس اليوت الذي يعده الاوروبيون اهم شاعر كتب باللغة الانجليزية في القرن العشرين قد ولد سنة 1888 بعد سنوات معدودة من ولادة جيمس جويس الروائي الايرلندي الشهير الذي ولد سنة 1882 بعد سنة واحدة من ولادة الرسام العالمي بابلو بيكاسو الذي اسهم في تغيير الاتجاهات الفنية للقرن وقد ولد بيكاسو سنة 1881 قبل سنوات عديدة من ولادة الفريد هيتشكوك المخرج السينمائي الشهير الذي ولد سنة 1899. واللافت للانتباه انه لا يوجد اسم من هذه الاسماء التي ذكرتها ولد مع مطلع القرن العشرين الامر الذي يدل على ان الشخصيات المؤثرة في كل قرن ليس من الضروري ان تولد فيه وانه من المنطقي ـ على الاقل بعد كل هذه الدلائل ـ ان تولد في القرن السابق, حيث يكتمل نضجها نوعا ما وحيث تتكون بداياتها او مقدماتها التي تثمر نتاجاتها الفعلية في القرن اللاحق. بهذا المعنى يمكن القول ان تكوين لينين الفلسفي تم في القرن التاسع عشر من منطلقات افكار كارل ماركس (1818 ـ 1883) الذي توفى بعد ولادة لينين بحوالي ثلاثة عشر عاما, وبعد ان ترك له الاساس الفلسفي الذي مضى به لينين الى مرحلة التطبيق العملي مع الثورة السوفييتية سنة 1917 وظلت مرحلة التطبيق مستمرة الى ان بدأت في الانهيار مع تولي ميخائيل جورباتشوف امانة الحزب الشيوعي واعلان سياسة (الجلاسنوست والبرويسترويكا) اعادة البناء والانفتاح في شهر مارس سنة 1985 وليست شخصية لينين سوى نموذج واحد على ان الكثير من الشخصيات المؤثرة في القرن العشرين خصوصا تلك التي غيرت المسارات المعتادة وخلقت مسارات جديدة قد اكتمل تكوينها في القرن التاسع عشر, او على الاقل اسهم القرن التاسع عشر في صياغة افكارها الاولية التي سرعان ما اكتمل بناؤها وظهرت مجالات تطبيقاتها العملية بعد ذلك في القرن العشرين. ويعني ذلك ان بداية اي قرن ليست انتقالا حاسما من النقيض الى النقيض, وانما هي النتيجة الطبيعية للمقدمات التي سبقتها والتي ادت بها الى التشكل على هذا النحو أو ذاك. ولذلك فإنه لا يمكن فصل ابداع بيكاسو الذي ولد سنة 1881 عن ابداع الربع الأخير من القرن التاسع عشر, خصوصا في تياراته الطليعية التي انحاز إليها بيكاسو في تمرده الذي جعله في رأي البعض أهم شخصية في عالم الرسم طوال القرن العشرين, والأمر نفسه ينطبق على مسرح جورج برناردشو أو على قصائد ت. إس. إليوت, فكلاهما انطلق من حيث انتهى غيره في داخل القرن التاسع عشر ومع مقدم القرن العشرين, أخذ كل منهما بطريقته الخاصة, وفي مجاله الخاص, ممارسة ابداعه الجديد الذي ترك بصماته وملامحه على القرن. وإذا كانت النتيجة السابقة تعني ان كل قرن يبدأ من حيث انتهى القرن السابق عليه, في حركة خبرات القرون وتجاربه, فإن البداية التي أتحدث عنها هي بداية الداخل وليست الخارج, أعني البداية التي يرجع بها الجديد في كل قرن إلى القرن الذي سبقه لينطلق من داخل تياراته الواعدة, ويبدأ منها مسيرته الجديدة التي لا تجعل منه انقطاعا كاملا عن القرن السابق عليه بل استمرارا خلاقا لكل ما سبق فيه من عمليات البداية والتأسيس, وآية ذلك ما نراه حولنا واعدا في القرن الحادي والعشرين من بداية التغيير الجذري في تكنولوجيا الاتصالات بآفاقها الباهرة التي لا يمكن تخيل نتائجها, فإن ذلك كله قد بدأ في القرن العشرين, وتحددت ملامحه التكوينية قبل انتهاء القرن. وأتصور ان هذه النتيجة يمكن ان تضيف ما يسهم في تعديل الفكرة التي بدأت منها, ومن ثم القول بأن الشخصيات التي تترك أكثر من غيرها تأثيرا في القرن الخاص بها هي الشخصيات التي تكون قد ولدت في العقود القليلة الأخيرة من القرن السابق عليه, وقد تكون هذه العقود أقل من ثلاثة أو أكثر من اثنين, كما في حالة مارسيل بروست واينشتاين وإليوت وروزفلت, أو تكون ثلاثة على الأكثر كما في حالة لينين, ولكنها في أغلب أحوالها لا تجاوز أربعة عقود, خصوصا في نماذج الشخصيات المعمرة التي تنقسم حياتها ما بين القرنين مثل جورج برناردشو الذي ولد مع منتصف القرن التاسع عشر سنة 1856 وتوفي مع منتصف القرن العشرين سنة 1950.