لا أدري ـ وهذا اعتراف وحق الله ـ من الذي قال بحق في معرض نقد الشعر وتقييم النثر الفني: (انظر إلى ما قيل وليس إلى من قال) , ويعلم الله ان مثل هذا القول هو الذي يصيب دوما كبد الحقيقة وخاصة بالنسبة لمعايير الحكم على الابداع الفني والأدبي على وجه الخصوص, وحسب الشاعر الفنان ان يحض الناس على الالتزام بقيم العدل وأمانة السلوك ونبل المقاصد واستقامة الأهداف وليس لأحد ان يتفاصح ليقول: انظروا إلى الشاعر إياه, انه يعمل بغير ما قال وهو يرسل الحكمة, ولكنه يجافي كل حكمة في معرض تصرفاته وفي أنماط السلوك, وكم من ممثل كوميدي صادفه المعجبون في الشارع فإذا به في غاية الجدية وربما الجهامة والاكفهرار وكم كان الناس يصدمون وكأن الكوميديان مكتوب عليه ألا يصادف أحيانا إلا وعلى لسانه آخر نكتة يضحك بها عباد الله, وكم راق لمبدعي الفن الروائي ان يصوروا مدى التباين ـ الى حد التناقض ـ بين حياة المهرج في السيرك أو فرجة المسرح, يخرج على الناس وقد ارتدى مسوحا هي بالأحرى مسوخ من أسمال مرقعة الألوان, ويصطنع وسط سحنته منخارا قرمزيا وقد صبغ السحنة بكل ظلال الطيف, ثم ها هو يتأرجح ذات اليمين وذات الشمال مستعبطا يحاول ان يضحك الثكالى كما يقولون, هذا هو المهرج ـ الكلاون كما يقول الانجليز أو هو البهلول في ترجمة الشاعر خليل مطران لذلك الذي يقوله الانجليز. ما أبعد الشقة في حياة هذا المهرج البهلول بين عبثه الفارغ اللاهي على المسرح وبين أحوال معيشته في دنيا الواقع, ومن بهاليل التهريج نبغ قوم .. أقرب إلى الفلاسفة, ومنهم أيضا من كان يطوي القلب المكدود على أشجان مأساة ومنهم من كان مجرما هاربا من القصاص أو مخلوقا تعسا لفظته أنواء الحياة, وربما كانت تلك هي الحكمة الكامنة في القول الجميل المأثور: (أعذب الشعر أكذبه) وليس المعنى هنا ان ثمة اقترانا حكميا أو لازما بين جمال الشعر وأكاذيب الشاعر ـ بقدر ما نفهم المعنى على ان عذوبة الشعر شيء وشخصية الشاعر في واقع الحياة, من حيث الصدق أو الأمانة أو الاستقامة أو غيرها شي آخر ـ وما أكثر الوعاظ في حياة الناس وما أندر النوابغ وما أقل الفنانين المطبوعين أو الموهوبين. لهذا نحمد للاستاذ العقاد انه حين كتب مؤلفه بالغ الأهمية عن ابن الرومي فقد حرص على تأكيد المعنى الذي سقناه فيما سلف من صدر هذا الحديث, ولذلك اختار لكتابه الشامل عنوانا يقول: (ابن الرومي: حياته من شعره) بمعنى ان العقاد ـ وقد ثقف علوم النقد الأدبي الحديث إذ تناهت إليه من اجتهادات نوابغ النقاد الانجليز والألمان في القرن التاسع عشر ومع بواكير القرن العشرين ما بين هازلت إلى تشارلز لام, وما بين ماكسي نوردو إلى ماثيو أرنولد, نقول ان العقاد كان قد تعلم, وآثر ان يعلم الناس, ونحن بحمد الله في جملتهم, ان معيار الحكم على الشاعر هو ابداعه الشعري, وانك إذا التمست تأريخ حياته فإن ديوان شعره هو أصدق مرآة لتصوير تلك الحياة, ولا عليك ان تلتمس مناهل أو مصادر أخرى من أقوال رواة قد يكونون حانقين, ونقاد, قد يكونون متحاملين ومعاصرين للفنان, قد يكونون من حساده, وقد تفتك بموضوعيتهم مشاعر الغيرة على حظوة نالها عند حاكم نابه أو شهرة حازها بين أوساط المتذوقين (وتلك كانت بالذات مشكلة شاعر العربية الأكبر المتنبي حتى بلغ الأمر بواحد من مؤرخي الأدب إلى اصدار كتاب تحت عنوان شهير هو (الوساطة بين المتنبي وخصومه) ). ولما كنا ـ منذ حديث مضى ـ نتصفح (ديوان الهجاء العربي) كما وصفه يوما الأديب الراحل هادي العلوي, فإنك تلاحظ ان العقاد وكثرة من مؤرخي ابن الرومي يقفون كثيرا عند حقيقة طريفة في حياة الشاعر العباسي الكبير مؤداها ان ابن الرومي كان سمّيعا حاذقا بمعنى ان استقام له حسّ مرهف وذائقة مطبوعة وآذان موسيقية كما قد نصفها وانه كان يمارس متعة السماع بالايجاب والسلب على السواء, بمعنى ان تسري في أعطافه نشوة الغناء الجميل فيرسل الشعر ـ الأجمل في مدح المطربة (وحيد) فإذا ما شاء له حظه العاثر ـ وكثيرا ما يكون كذلك ـ ان ترزأه الظروف بسماع مطرب سخيف, أو تقذف به المقادير في ربقة مغنية حمقاء أو خنفاء, فإذا به لا يتورع عن ان يحول مأساته إلى شعر جميل أيضا, ولكن في باب الهجاء ـ ونحن ـ الذواقة ـ المستفيدون في كل حال. ونحسب انه لو عاش ابن الرومي كي يسمع كثرة من مطربي زماننا ومطرباته لجعل ديوانه مقصورا أو يكاد على هجاء المشتغلين بصنعة الغناء. اسمعه يهجو مطربا من زمانه اسمه (أبو سليمان) , يقول ابن الرومي: ومُسمع لا عدمت فُرقته فإنها نعمة من النعم يطول يوم إذا قرنتُ به كأني صائم, ولم أصم يفتح فاه من الجهاد كما يفتح فاه لأعظم اللقم مجلسه مأتم السعادة والقصف وعرس الهموم والندم كأني طول ما أشاهده أشرب كأسي ممزوجة بدمي ولك ـ أعزك الله ـ ان تتأمل صورة مطرب يفتح فمه لا للغناء الجميل ولكن كأنما يجاهد لابتلاع الطعام, ومن ثم يخرج السمّيعة من مجلس غنائه وقد عضوا بنان الندم على وقت ضيعوه وما نالهم سوى الهم والغم العظيم.. نفس المشاعر التي يعبر عنها ابن الرومي لدى سماع مطربة من عصره (وهن كثيرات في عصرنا), وكان اسمها ـ ما شاء الله ـ كنيزة وقال فيها: شاهدت في بعض ما شاهدت مطربة كأنما يومها يومان في يوم تظل تلقي على من ضمّ مجلسها قولا ثقيلا على الأسماع كالتهم لها غناء يثيب الله سامعه ضعفيْ ثواب صلاة الليل والصوم ظللت أشرب بالأقداح لا طربا عليه, بل طلباً للسُكر والنوم ولا بأس مع ختام الحديث ان نتذاكر الأبيات التي ساقها العقاد تحت عنوان (كيمياء الجدّ) أو فلنقل من باب الايضاح انها كيمياء الحظ وفيها يهجو ـ هل نقول يهنئ ابن الرومي أحد مسئولي عصره واسمه أبو الصقر إذ تولى السيد المذكور منصبا كبيرا في الدولة وربما غلّ يده عن جائزة يصل بها ابن الرومي فأطلق لسانه (يهنئه) في هجاء مازالت كلماته الممرورة ترن في سمع الزمن.. قال: عجب الناس من أبي الصقر إذ وُلِّي بعد البطالة الديوانا ولعمري ما ذاك أعجب من ان كان شيئا فصار من شيبانا ان للحظ كيمياء إذا ما مسّ كلبا (!) احاله انسانا يفعل الله ما يشاء كما يشاء, متى يشاء, كائنا ما كانا