لاشيء في هذه الدنيا ـ منطقا وقانونا ـ يبرر لك الاعتداء على الاخرين حتى وان كان في هذا الاعتداء ـ كما قد يدعي البعض ـ حياة افضل لهم, وحتى وان كان هذا الاعتداء شكلا اخر لحماية اطراف اخرى يحتمل تهديدها. عندما جاء نابليون بونابرت إلى مصر غازيا, يستعرض قوته , مخفيا وجه حضارته الارهابي البشع, بعدد من العلماء والمطابع والاوراق, فان احدا ما من المعاصرين للحدث أو المؤرخين له, لم يكن باستطاعته ان يقف محايدا ازاء الاثار المدمرة لـ (الحملة الفرنسية) على مصر, وحين قرر وزير الثقافة المصري فاروق حسني الاحتفال بذكرى مئوية الحملة, قامت الدنيا على رأسه, ولم تقعد, فنابليون هذا برغم ما انجزته حملته من اعمال جيدة ظل في نظر التاريخ والذاكرة الشعبية المصرية, غازيا معتديا لم يشفع له اي شيء. نابليون وكل قافلة المعتدين على امتداد التاريخ حتى قيام الساعة, لم ولن يرتسموا في الذاكرة ابطالا أو محررين حتى وان ملأوا الفضاء توماهوك, أو زرعوا البحار حاملات طائرات أو حركوا الكون بالاقمار الصناعية. الطغيان لا منطق له, فكيف يمكن تبريره أو التصالح معه؟ لقد ضاقت سجون بريطانيا وكل أوروبا يوما بحثالات السكارى والمجرمين وقطاع الطرق, وزاد عدد السكان عن معدلاته, وكان اطعام هؤلاء وايواؤهم, وتوفير فرص عمل لهم مرهقا في بدايات القرنين الخامس والسادس عشر, عندها وجدت نفسها أمام حل سحري واحد يتمثل في التخلص من هؤلاء, وذلك بتسليطهم على أمم اخرى, وقد زاد الامر سوءا يومها وجود جماعات وتيارات دينية واشكالات عقائدية, مما يعني استعدادا ذهنيا موروثا لدى الغرب لتفريغ آثار ازماته واحتقاناته الداخلية في فضاءات الاخرين. وعليه, فقد ملأت أوروبا سفنها بهؤلاء قاذفة اياهم على شواطىء وضفاف بعيدة, خلاصا وتخففا, وكان ان اقتحم هؤلاء عوالم اخرى بدأت تتأسس على أيدي جماعات من القتلة والسجناء والاصوليين الدينيين في امريكا واستراليا والذين سيشكلون مصير البشرية فيما بعد. التاريخ يشهد عليهم, ويشرح بشكل لا لبس فيه معارك ابادة السكان الاصليين لهذه القارات, هؤلاء الذين اصبحوا فيما بعد يعرفون بالامريكيين والاستراليين, لم يعرفوا كيف يتعاملون مع حضارات الشعوب الاخرى, لقد كانت ـ ومازالت ـ عقدة العمق الحضاري تعذبهم, ومازالوا ينظرون إلى كل الشعوب ذات الامتداد الحضاري العريق نظرة أجدادهم إلى حضارات المايا الآزتك والهنود الحمر. اليوم لا توجد حالة فصام بين ما يفعله حفدة هؤلاء في لبنان وبين الافكار التي آمن بها أجدادهم, وعليها أسسوا دولة الرعب وترسانة الارهاب التي يخيفون بها العالم ويسقطونه في الجبن والتخاذل, فكل الذي يحدث خطاب تسلطي مؤسس على القوة والطغيان و(البلطجة) والقناعة الاكيدة بوهم (الحق اليهودي) في تسيير نظام الكون لأجل مصلحة البؤساء والمعذبين في الارض من (أبناء شعب الله المختار)! من قال بأن ما يحدث في لبنان هدفه انقاذ عملية السلام والحد من الارهاب والحفاظ على الحقوق تحقيقا لديمقراطية يستحقها الشرق الاوسط؟ اذن فهل نمني النفس بضربة عسكرية ضد اسرائيل لانقاذ الفلسطينيين من آلة القمع الاسرائيلية؟ وهل يمني اهل الجنوب اللبناني انفسهم بحالة مماثلة؟ .. أية عدالة وأي منطق؟!