لا أدري لماذا تقدمنا بعض الوجوه التي نتعامل معها لأول مرة الى أخرى نعرفها جيداً أو مررنا بتجربة معها, فنقف مذهولين من التشابه المثير بين الوجهين ليس في الشكل, بل في المواقف والتصرفات وكأن الشخصين (فولة وانقسمت نصفين) كما يقال .. ورغم تأكيد علماء النفس على أن الوجوه ثلاثة, أولها ينحت تضاريسه في القلب, وثانيها لا يغادر الذاكرة, وثالثها يتلاشى كالزبد, رغم ذلك التأكيد الا انني ارى ان هناك وجوها اخرى نكاد لا نعرفها. وحتى لا استطرد كثيراً أقف عند أحد النماذج التي اجزم بأننا نراها يومياً وفي أماكن مختلفة, وبأشكال مختلفة, وفي كل مرة نسأل أنفسنا أين التقينا هذا الوجه؟ كنت وأحد الاصدقاء, نقف في ركن قصي من أركان أحد الفنادق نتجاذب اطراف الحديث, بعيدا عن الوجوه الكثيرة التي أزدحمت بهم صالة الفندق, والتي ضمت شخصيات بارزة من وجوه المجتمع كانت تحضر مناسبة الاحتفال بأحد الاعياد الوطنية لدولة عربية شقيقة.. وفجأة انشقت الارض عن وجه أكاد أعرفه, فقلت لصاحبي: أترى ذاك الشاب الأنيق الذي يصافح الوزير اعتقد انني اعرفه, فقد سبق لي ان رأيته, لكنني لا أتذكر أين؟ قال صاحبي مبتسماً.. ألا تعرفه, انه ابو الحفلات, فهذا الشخص يكاد لا يفّوت مناسبة أو حفلة سواء كانت زواجاً أم استقبالاً, وفي كل الأحوال هو يأتي هكذا دون أن يدعوه أحد, وكما ترى بأم عينك, يتنقل كالفراشة بين هذا وذاك والابتسامة تكاد لا تفارق فمه, فيقدم نفسه للناس بلقب الدكتور, واجزم ان اكثر الحضور الذين تعرف عليهم لا يعرفون ان كان دكتوراً بيطرياً أم دكتوراً يحمل شهادة من الشهادات اياها! التقطت طرف الحديث وسألت صاحبي الذي يكاد يعرفه اكثر من نفسه.. ولكن ما سر هذه الاناقة المبتذلة التي تبدأ من قمة الرأس الى اخمص القدمين.. أترى كل شيء فيه يلمع, شعر رأسه, وجهه, رابطة العنق, قميصه.. هل هو دكتور أناقة أم ماذا؟ ابتسم صاحبي من جديد وقال بخبث ظاهر: انها عدة الشغل! قلت: ماذا تقصد بعدة الشغل؟ قال: تلك الاناقة المفرطة, وذاك الفن المثير الذي يدهش من يتعامل معه.. فهذا الرجل يستخدم ادواته للدخول والتعارف مع الناس, وأول تلك الادوات انه متحدث لبق لديه قدرة عجيبة على ادارة الكلام, ونفس طويل على المحاورة والجدل, كما أن له القدرة على الدخول بين أي اثنين يتجادلان ودون سابق انذار, فيتناول دفة الحديث ويأخذهما شرقاً وغرباً, وهما ينظران بكل بلاهة واعجاب الى آراء ذاك الغريب الذي فرض نفسه هكذا دون معرفة سابقة! ومن أدواته ايضا التفخيم, والتضخيم فلا تستغرب ان سمعته يقول بأن الوزير الفلاني قال لي وان السفير الفلاني طلب مشورتي, هذا الى جانب حديثه المطّعم بعبارات وأمثلة انجليزية, والاداة الأخيرة وهي حفظه لبعض الأبيات الشعرية التي يرددها بين الفينة والأخرى. وبينما نحن نتحاور وجدته يتجه نحونا والابتسامة تسبقه الينا, فغمزت بعيني, فقال صاحبي يبدو أننا سنصبح فريسته المقبلة؟ أجبت متفائلا: لا عليك, سندخله الى بحور العشق والفن والسياسة وسنتركه هناك ونغادر, فمنذ متى يغلب الصحافيون, وهم مئة شخص في واحد؟! قال صاحبي: أرى ان نتظاهر بعدم الاكتراث, فمسكني من يدي وأخذني الى زحمة الحضور, حتى اذا ما غبنا عن أنظاره وأفلتنا من ملاحقته قلت: ألا يذكرك صاحبنا بطائر الكوكو؟ قال: وما هو طائر الكوكو؟ أجبت على الفور: سمعت من زميلنا المرحوم مصطفى كمال, وجميعنا يعلم أنه كان بمثابة مكتبة متنقلة ان طائر الكوكو هذا نوع نادر من طيور الزينة يستوطن غابات الأمازون بأمريكا اللاتينية وكل ريشة يحملها في جناحيه وذيله تكاد تكون لوحة سريالية مثيرة في ألوانها وتشكيلاتها, ويبدو ان صاحبنا المتأنق جداً من هذه الفصيلة. واستطرد صاحبي: المثير في حكاية هذا الطائر انه الطائر الوحيد في العالم الذي لا يبني لنفسه عشاً, بل يعتمد على أعشاش طيور اخرى هجرت اعشاشها, واذا ارادت الانثى ان تبيض طارت تبحث عن أعشاش مسكونة بطيورها فاذا وجدت فيها بيضا اضافت اليها واحدة دون ان تنتبه الطيور الاخرى ان بيضها زاد واحدة, ولك ان تعرف ان فترة حضانة بيض الكوكو أقل بنحو اسبوع من حضانات الآخرين, لهذا فانه يخرج من البيض قبل غيره وأول ما يفعله هو ان يدحرج البيض من العش حتى يتحطم, فاذا عاد الطائران لا يجدان سوى هذا الطائر فيحيطانه بالحب والرعاية حتى اذا ما شب عن الطوق هجرهما بحثا عن عش مجهور! وبينما نحن منهمكون ودون ان ننتبه وجدنا صاحبنا يحلق علينا ويبادرنا بالسؤال: أين وصلتما؟ قال صاحبي ببلاهة مطلقة: كنا نتحدث عن البطيخ, انت تعرف انواعه بلا شك, قال: نعم.. انظروا الى رؤوس الحاضرين وستعرفون أنواعه رأساً.. لكني سأحكي لكم حكاية الملك والبطيخة.. فالتفت الى صاحبي لينقذنا من ورطة البطيخ لكن دون فائدة, الا ان الانقاذ أتانا دون ان نحتسب, فقد دعي الجميع بعد ان فتحت الصالة لتناول العشاء, فهرولنا مغادرين!