كحال الموت دائما, يأتي صدمة, يأخذ منا من نحب دون ان يترك لنا فسحة ان نشبع منهم, يترك لنا فقط الحزن والندم.حسين المحضار, احد الذين احببناهم زمنا, وسكن فينا حبهم, احد الذين اخذهم الموت فجأة, وترك لنا بعده الندم.دهرا طويلا عاش بومحضار في خيال وقلوب كثير من ابناء هذه الامة, بألحانه, وكلماته الجميلة . كانت شهرة المحضار تعادل عراقة حضرموت اذا ذكرت في التاريخ, يذكر اليمن ويذكر المحضار, وعند الكثيرين هو اشهر من (قات) وقهوة اليمن. قبل عامين صادفت بومحضار, عرفته عن قرب ارسلت ابحث عن مكانه وعنوانه, كل يماني اسأله يجيب لا تتعب نفسك في البحث عن صندوق بريد الشاعر, اكتب على المظروف: اليمن, حضرموت تسلم إلى يد الشاعر الكبير حسين المحضار. تأكد انها ستصل, وطالت غيبة الرسالة, حتى عاد الجواب, رحب الشاعر ان يحل علينا ضيفا, ان يحيي عندنا امسية شعرية. وكانت ليلة المحضار, من ليالي العمر عند الذين حضروها وسمعوا روائع الشاعر الكبير, هذه المرة بصوته وانفعالاته وسحره. كثيرا ما كنت احضر للمحضار في مقر اقامته بالفندق في اوقات مختلفة, لنتغدى أو نتعشى أو نخرج للزيارات والتعرف على معالم البلد, في كل الاوقات كنت اجد الفندق والشاعر غارقين بجموع من البشر, في الصالة وعند المداخل, حتى في طرقات الطابق الذي يسكنه, اما غرفته الخاصة فلا يغلق بابها, تتحول في حضوره إلى خلية نحل, فوضى وازدحام سببها عشاق المحضار ليال وايام وحال الناس والشاعر هكذا, حتى رحل الشاعر, تاركا فينا الذكريات, وامل العودة في الايام المقبلة, وانقطعت اخبار بومحضار عندي. جاء ورحل, مرض ودخل المستشفى, وشفي, واحيا امسيات, ولم التق به. مجرد مكالمة أو مكالمتين في مناسبات متباعدة. قبل اسبوع من وفاته, وجدت رغبة ملحة عند الاخوة على تنظيم امسية للشاعر في مهرجان التسوق. وضعت اسماء عديدة على خريطة البرنامج, وكل الاسماء لها بدائل الا اسم المحضار, كانوا يحلمون بليلة مختلفة. حادثته ظهرا, كان على الطرف الثاني من الهاتف احد اهله, طلبت بومحضار, رد المتحدث يطلب فرصة للتأكد, قد يكون الشاعر نائما, حسن الحظ انه لم يكن كذلك, حدثته, سلمت عليه, وسألته عن اخباره, عن صحته, عاد يسألني, كيف حال دبي والشعب و(بوسلطان) , ابلغته رغبة الاخوة, شكرهم على الدعوة, وافق على المجيء, لكنه قال: إنني مريض, محموم. اجبته ان موعد اللقاء بعد شهر, بعد العيد, ستعود لك الصحة, إن شاء الله. وافق على الامسية, ووعد بالحضور بعد العيد, يلتقي بعشاقه, ويراجع الطبيب, فعنده موعد علاجي في ذات الفترة. كنا في انتظار العيد, والمحضار, لكنه لم يأت... جاء خبره! رحل بسرعة, بهدوء, تاركا لنا الندم, وروائع خالدة, مثل: سر حبي فيك غامض سر حبي منكشف ايش لي خلاني اعشق فيك والعشقه تلف لا تعذبني والا سرت واتركت المكلا لك إذا ما فيك معروف روائع لا تموت, لانها تسكن دواخلنا, فيها اشياء من شبابنا وذكرياتنا وقلوبنا وسعادتنا. يرحمك الله يا المحضار. سعيد حمدان