يبدو ان علاقتنا التاريخية بمركز الهيمنة الذي تأثرنا به في الغرب ـ الاوروبي ـ الامريكي اورثنا نزعة التحيز اليه, وعقدة الاقتداء به, او التطلع اليه في كل شئون حياتنا, كما لو كان هذا المركز هو القطب الذي ندور حوله, ونعود اليه مهما ابتعدنا عنه, ولذلك فان اغلب مفاهيمنا عن عالمية الادب مرتبطة بهذا المركز, خصوصا لاننا لا نفكر في عالمية منسوبة الى كل اقطار العالم, وانما الى عالمية متحيزة في دائرة هذا المركز الذي لانفر منه الا اليه في الاغلب من ثقافتنا ودليل ذلك اننا لا نمنح عادة صفة العالمية الا للآداب المكتوبة باللغة الانجليزية بالدرجة الاولى, ثم اللغة الفرنسية بالدرجة الثانية, ولا نغادر هاتين اللغتين الى غيرهما من اللغات الاوروبية الا بدرجة واهية لاتتناسب وتركيزنا المفرط على هاتين اللغتين, اما اللغات غير الاوروبية فلا نعرف عن ابداعاتها ما يعد عنصرا تكوينيا فعالا في ثقافتنا العربية الى اليوم. ولذلك اصبح حلم كثير من ادبائنا ترجمة اعمالهم الى الانجليزية, حتى لو كانت الترجمة غير دقيقة, او منشورة في اضيق نطاق, او متواضعة الصياغة, او حتى على سبيل الاستطراف والولع بغرائب الشرق كما اصبحت عملية الترجمة الى اللغة العربية نفسها اسيرة المركز الاوروبي ـ الامريكي لاتفارقه الى غيره الا على سبيل الندرة, ولا تلتفت الا في اقل القليل الذي يعد من قبيل الاستثناء الى الاداب الآسيوية او الافريقية التي نتقاسم واياها الهموم نفسها, كما نشاركها رغبة التابع في التحرر من تبعيته, وترتب على ذلك ان اصبحت حركة الترجمة من العربية واليها حركة وحيدة الاتجاه والبعد, لاتترك نقطة البدء في المركز الاوروبي ـ الامريكي الا لتعود اليه بما يؤكد حضور المركز نفسه واعادة انتاجه في أكثر من مجال. وليس من المستغرب, والأمر كذلك, ان تسهم أجهزة الاعلام العربية في ترسيخ وجود هذا المركز والاتساع بمدى نفوذه, ويبدو الأمر واضحا تماما حين نتذكر الأعمال الابداعية الأجنبية التي تذيعها أو تبثها الاذاعات والتلفزيونات العربية, أو شرائط الفيديو أو اسطوانات الليزر التي أصبحت تجارة منتشرة, ووسيلة فاعلة إلى أبعد حد في اشاعة الأعمال الابداعية الاجنبية وتداولها, فالغلبة في تقديم كل هذه الأعمال للغة الانجليزية ثم الفرنسية, وذلك بسبب ان الإعلام العربي المتأثر بالانجلوفونية أقوى وأوسع انتشارا من نظيره المتأثر بالفرانكوفونية, خصوصا بعد ان اقترنت الانجليزية بصعود تيارات العولمة التي أصبحت تمثل ـ في توجهها الرئيسي ـ الهيمنة المتدافعة للولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمى الأولى في عالم وحيد القطب, ومع ذلك فلا فارق كيفيا بين اللغة الانجليزية واللغة الفرنسية في هذا السياق, خصوصا من منظور الالحاح على هاتين اللغتين بما يوقع وهم التطابق بين ابداعاتهما وصفة العالمية في وعي المشاهد. أعني المشاهد الذي يرى حلقات وأفلام أجنبية باللغة الانجليزية, في التلفزيون المصري مثلا, لستة أيام في الاسبوع, ويرى يوما واحدا مختارات فرنسية تترك فيه الأثر نفسه, فيتقلص العالم في وعيه بما لا يفارق دائرة جغرافية سياسية محدودة لا يجاوزها, ولغة بعينها أكثر إلحاحا و هيمنة من ان يتركها إلى غيرها, فيغدو العالم المتقلص كاللغة المهيمنة بعض الطبع الذي يتطبع به هذا المشاهد, بل بعض ما تتطبع به الثقافة كلها. ويتصل بهذا الطبع المستزرع ما تقوم به أجهزة الاعلام من اشاعة نمط ثقافي بعينه, نمط تنقله عن أجهزة الاعلام الغربية الأقوى منها, نمط لا يتقبل ولا يستوعب ولا يستقبل أي نمط مغاير, بل يعمل على رفضه واستبعاده على الفور, وذلك نتيجة عملية تطبيع ثقافي للنمط الغالب في وعي المشاهد, وعلى نحو يتحول به ما يخالف هذا النمط من أنماط ثقافية أخرى إلى ما يشبه العضو الغريب المستزرع في الجسم والذي يقاومه الجسم بكل قوته ويرفضه, ومثال ذلك الكيفية التي يستجيب بها المشاهد العربي لمسرح (النو) الياباني أو مسرح (الكابوكي) بوصفهما نمطا مغايرا للنمط المسرحي الغربي السائد الذي تطبع به هذا المشاهد, والاخفاق المدوي لتجربة تقديم مسرح (الكابوكي) في دار الأوبرا المصرية خير دليل على ذلك, فقد أصاب المشاهدين الملل بعد وقت قصير, ولم يتابعوا العرض الذي صدمهم باختلافه الحاد عن النمط المسرحي الذي تطبعوا عليه, فانصرفوا عنه, وخرج الكثيرون من العرض, بينما تسلى بعض الذين جلسوا إلى النهاية بالسخرية والتنكيت, ومن يومها لم تكرر دار الأوبرا المصرية التجربة, ولم يعرض هذا النوع من العرض المسرحي في أي مكان عربي حسب علمي. والواقع ان هناك علاقات تبعية واضحة تصل بين أجهزة الاعلام العربية وأجهزة الاعلام الغربية السائدة في هذا المجال, سواء في تأكيد التحيز إلى ابداعات المركز الأوروبي الأمريكي المهيمن ومواده الثقافية, أو تقديم بعض ابداعات العالم الثالث من وجهة نظر أجهزة الاعلام الغربية التي تقوم بفلترة هذه الابداعات وتصفيتها من صفاتها المحلية, أو الالحاح على تقديم ما يشبه الأعمال الابداعية للمركز على طريقة هذه بضاعتنا ردت إلينا, والناتج الذي يترتب على ذلك هو المزيد من عملية استزراع الطبع المنمط في وعي المشاهدين الذين يتأثرون بما يشاهدون, ويستجيبون في النهاية بفعل التكرار الذي يؤدي إلى الاقناع. والمسافة جد قصيرة بين هذا الطبع المستزرع وما يشيع, أحيانا, بين متوسطي الموهبة من الآباء بوجه خاص, من نزعات الكتابة حسب (الموضة) الزاعقة, القادمة من ثقافة المركز المحتذى ولغته المهيمنة, ويترتب على وطأة الانبهار بهذه الموضة تقبل الاتباع بكل ما ينطوي عليه من لوازم فكرية أو معرفية أو ابداعية, قد تتناقض والموقف الذي يسعى هذا الأديب أو ذاك إلى تأسيسه ابتداء, ولا يقل سلب نتائج هذا الفعل التقليدي, مهما كان بريق أقنعته التي قد تبرر نفسها بحداثة زائفة أو ما بعد حداثة اكثر زيفا, عن سلب الكتابة حسب المواصفات التي يتصور بعض الادباء انها اقصر واسرع الطرق الى العالمية المزعومة, او اكثر جذبا لاقلام النقاد او دارسي الادب الاجانب, او اكثر قدرة على لفت انتباههم, ومن ثم دخول هؤلاء الادباء الى دائرة الضوء العالمي بهذه اللغة او تلك من لغات المركز. وسوء العاقبة هو الجزاء العادل لهذا النوع من الكتابة التي لا تجد من يحترمها من النقاد الاجانب او غير الاجانب, شأنها في ذلك شأن الممارسات النقدية التي تختزل الآفاق العريضة المتنوعة للعالمية الحقيقية (المنسوبة الى كل العالم وليس بعضه) في دائرة جغرافية ضيقة تؤدي دور المركز, وتفرض على اتباعها اتباع ملامح ابداعاتها بوصفها النموذج الاكمل للكتابة. ومن الطريف تتبع موقف اصحاب هذه الممارسات النقدية من ابداع نجيب محفوظ قبل نوبل وبعده, حيث اعتدنا من هؤلاء نظرة سلبية الى واقعية نجيب محفوظ خصوصا من زاوية مقارنتها بواقعية بلزاك او ديكنز او جالزورثي او توماس مان او غيرهم من كتاب الرواية الاوروبية الواقعية, والبحث عن اوجه الشبه التي تصل روايات نجيب محفوظ بروايات هؤلاء بوصفها الاطار المرجعي في الحكم والنموذج الاكمل في القيمة, وترتب على ذلك ان ارتفعت درجة القيمة في بعض روايات نجيب محفوظ الواقعية وانخفضت في البعض الآخر, حسب قوة او ضعف درجات التشابه مع الاصل الاوروبي المفترض الذي اصبح معيار المقايسة, ولكن نجيب محفوظ الواقعي ظل بوجه عام تابعا صغيرا في مملكة البناة العظام للرواية الواقعية الاوروبية اما عندما خادع هذا المبدع هؤلاء النقاد عن مركزيتهم وخرج على الاصل الذي تصوروه متبعا, واستنبط من تراثه البناء الذي صاغ به (اولاد حارتنا) ثم (الحرافيش) واشباههما, كانت النتيجة ارتباك هؤلاء النقاد الذين لم يجدوا الاطار المرجعي الذي يؤكد المشابهة فاكتفوا بالصمت عن التقنية الروائية التي لم يعد ممكنا قياسها على غيرها من منطلق مبدأ التشابه وحده. واخيرا عندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل, وذكرت (اولاد حارتنا) في حيثيات منح الجائزة, ارتفعت درجات القيمة اضعافا مضاعفة عند هؤلاء الذين رأوا فيه ـ من قبل ـ نسخة باهتة من بلزاك, واكتسبت رواياته صفة العالمية التي كانت بعيدة عنها, اذ لم يعد للبعد من معنى بعد ان اعترف المركز اعترافا كاملا باستحقاق الصفة. ولم يعد احد يسمع عن اي نوع من انواع النقد السلبي لنجيب محفوظ الذي تم تعميده بما يشبه التوثين بواسطة المركز الذي اوشك ان يجعل منه مركزا مضافا.