أحيانا يقولون عنه مغرورا. طالته نيران النجومية فعزلته بعيدا في برجه العاجي. وأحيانا أخرى يقولون أنه جريء ومستفز وعنيف. ودائما يقولون أنه فنان من طراز استثنائي اقتحمه الفن قلبا وقالبا. إنه محمود حميدة الممثل المهموم بصناعة السينما والمنتج الذي دخل ساحة الإنتاج مؤخرا بفيلم (جنة الشياطين) غير عابئ بالكسب المادي أو بالتسابق على الملايين التي تدرها نوعية أخرى من الأفلام تشهدها السينما المصرية في الفترة الأخيرة. ومحمود حميدة مغامر ومجنون راهن على قطعة من لحمه الحي.. هكذا يعلق كل من شاهد (جنة الشياطين) الذي لم يكتف حميدة بإنتاجه فقط بل قام بدور جثة من أول الفيلم لأخره وهو ما لم يفعله أي نجم آخر في تاريخ السينما المصرية. وكأنه يعاند ويتحدى كل الظروف التي تعطل نهوض الفن السينمائي بمصر. ولكن ترى هل يواصل محمود حميدة هذا المشوار الصعب..؟ هذا ما تكشفه (البيان) في الحوار التالي : * دخلت ساحة الإنتاج في ظل تفاهم الأزمة السينمائية ولائحة قانون الاستثمار الجديد.. فهل تدرك ذلك..؟! ـ نعم بالتأكيد ولكن على كل إنسان أن يعمل بجد وانضباط كي تدور العجلة لأننا لو تحدثنا فقط فهذا غير مفيد ومن الأفضل أن نجلس في منازلنا ولائحة قانون الاستثمار تقول أن الشركة رأسمالها 200 مليون جنيه تقوم بكل النشاطات وهذا غير منطقي ولا يمكن العمل به بل يجب أن يضعوا في الحسبان شركة الانتاج الصغيرة ويمنحوها نفس الإعفاءات. * لكنك بالرغم من عدم حصولك على الإعفاءات أو الامتيازات لهذا القانون غامرت وأنتجت فيلما مثل (جنة الشياطين) فهل تعاند شروط السوق التي فتحت أبوابها لأفلام الكوميديين الجدد..؟! ـ دعوني أقول لكم أن السينما المصرية كالقطط بسبع أرواح. كلما عاندت وقويت شوكتها و شروط السوق التي تتحدثون عنها أو بالأحرى شروط الموزعين الذين يتكالبون على الأموال بعيدا عن السينما لم ولن تمنعني أنا وكل من أهتم بالسينما لوجه السينما فقط من العمل بشروطنا وحسب رؤيتنا. المشكلة أن هذه السوق انقسمت لمعسكرين لا ثالث بينهما :معسكر (جنة الشياطين) وأخواته مثل (عرق البلح) و(المدينة) ومعسكر ما يطلقون عليهم (الكوميديون الجدد) مثل (همام في أمستردام) أو (عبود على الحدود) وبغض النظر عن الموقف النقدي فإنني لست ضد المعسكر الثاني ولكنني إذا أنتجت لن أقدم أفلام في مستوى ومكان (جنة الشياطين) . * ولكن أن تقوم بدو ر جثة من أول مشهد لآخر مشهد مغامرة توقف عندها الكثيرون؟! ـ لا يعجبني كمنتج أو كممثل أن أكون أنا محور اهتمام على حساب محاولة فهم الفيلم.. فهو فيلم يستحق الحديث عنه وتجربة جريئة ومهمة هي من وجهة نظري تحقق نقلة نوعية في السينما المصرية.. الفيلم مأخوذ عن رواية الكاتب البرازيلي جورج أما دور (الرجل الذي مات مرتين) وكتب لها السيناريو مصطفى ذكري ببراعة تساوي كفاءة المخرج أسامة فوزي. * وما تعليقك على ما يقال بأنك تحاول أن تحسب نفسك على صفوف المثقفين؟! ـ أعرف أن ذلك يقال بسبب المجلة التي أصدرتها.. وعموما فهذه تهمة لا أنكرها ولكن المسألة أبسط من ذلك.. إنها أحلام تطاردني منذ قررت أن أكون ممثلا.. أحلام بعضها تحقق مثل تجربة المجلة السينمائية التي راعيت أن تكون متخصصة في السينما.. وأيضا فيلم (جنة الشياطين) الذي أنتجته وورشة لتدريب الممثلين.. ومازالت لدي أحلام أخرى أكبر.. وكل هذا نابع من طبيعتي حيث لا أحتكم في قراراتي المصيرية إلا لجوهري ولا يمكن لأحد أن يمنعني من دخول تجربة فلدي ثقة هائلة في قدراتي بالإضافة لحبي الشديد للسينما واستيعابي لقانونها.. ومن هنا أصدرت مجلة لأن صناعة السينما في مصر تحتاج لهذه المبادرة.. وأنتجت فيلما يحتاج إلى قطاع عام لتمويله.. قد يرى البعض ذلك فروسية أو محاولة للوصول إلى المثقفين ولكني أراه عشقا لا ينتهي للسينما. * هل نستطيع أن نعتبر (جنة الشياطين) نقطة تحول في تاريخ محمود حميدة؟! ـ حتى الآن لم تحدث في حياتي نقطة تحول وبالشكل الذي يقصده سؤالك و إن كانت توجد خطوات سرتها بدءا من مرحلة الهواية والتي كانت بالنسبة لي معمل تدريب دائم ومستمر.. كانت هذه الفترة ثرية جدا لأنني خلالها مثلت وغنيت وشاركت في فنون شعبية عن هواية وحب ومحاولة للاستفادة من كل شيء حولي.. ومن هنا وصلت إلى ما أنا فيه الآن وإن كنت مازلت وحتى هذه اللحظة أشعر بأنني في حاجة إلى مزيد من الدرس والتدريب. * ولهذا سافرت إلى أمريكا لتدرس التمثيل.. فهل كنت تبحث عن ممثل مؤهل أكثر منك أنت الآن؟! ـ مسألة التأهيل هذه أنا أعتبر نفسي قد مررت بها وتأهلت بما فيه الكفاية.. لأنني وقبل خروجي إلى دائرة الأضواء عشت سنوات كثيرة أؤهل نفسي للفن.. وإذا كان علي التأهيل فأنا مؤهل في حدود من حولي وفي حدود ما حققته من تواجد ونجاحات سينمائية كثيرة.. ولو أنني إنسان محدود الطموحات مثلا لاكتفيت وتفرغت للعمل الفني فقط.. ولكن ما بداخلي طموح أكبر وأكثر وأعمق مما يمكن أن يتخيله إنسان ولهذا سافرت لأتعلم أكثر في أمريكا وقد كان. * وما الذي درسته بالضبط؟ ـ درست التمثيل والإنتاج وآليات السينما والإخراج وسوف أدرس فن كتابة السيناريو.. وكل ما يضيف لي كممثل. * هل شعرت يوما بالندم تجاه أحد أعمالك؟! ـ لم يحدث أن انتابني أي شعور بالندم لأنني دائما حريص على تطوير نفسي وأحلامي السينمائية وحريص أيضا على العمل دون توقف لسببين مهمين أولهما أنني أخاف من الصدأ إذا توقفت عن العمل.. وثانيهما أنني مؤمن بأن دورا واحدا يساهم في أن تظل عجلة الصناعة تدور أفضل كثيرا من التوقف.. لدرجة أنه عقب أزمة الخليج توقفت السينما وشاركت في ثلاثة أفلام مقاولات ولم أندم لأنني كنت الوحيد الذي يعمل في السينما. * لكنك عبرت في واحد من أحاديثك عن أسفك وندمك للعمل بفيلم (المصير) ليوسف شاهين؟ ـ إطلاقا لم أقل ذلك.. ولكن الحكاية باختصار أنني صرحت في أحد أحاديثي الصحفية أنه بعد انتهائي من المشهد (أقرف) منه لأنني أشعر دائما بأن هناك شيئا ناقصا وقلت أن هذا ينطبق على كل أدواري بما فيها دور الخليفة المنصور الذي أديته في فيلم (المصير) لكن الصحيفة التي نشرت الحديث كتبت في عنوان رئيسي محمود حميدة: أنا (قرفان) من دوري في المصير.. فبدا الأمر كما لو كان مقتصرا على (المصير) فقط وهذا غير صحيح.. فأنا دائما عند تجسيد أي شخصية أكون تحت سيطرة جزء من الوعي يراقب تصرفاتي وأحيانا أشعر أن مساحة هذا الوعي كانت أوسع من اللازم لدرجة أنني لا أرضى عن آرائي حتى لو أعجب المشاهد ومع ذلك أؤمن بأن المبدع ليس من حقه أن يصدر حكما معلنا على عمله. * لكن ربما من حق المبدع الدفاع عن عمله؟! ـ لا بالطبع.. لأن عمله ليس جريمة تحتاج إلى دفاع.. ثم أن يتخذ الأمر شكل المحاكمة فهذه عملية غير منطقية.. ومن حق الجمهور العام أو الخاص أن يقول رأيه.. فالأول يكون حكمه انطباعيا.. والثاني حكمه يقوم على التحليل والدراسة.. والاثنان يفيدانني بنفس الدرجة.. وأحيانا يسألونني عن سر صمتي في ندوات أفلامي.. والحقيقة لابد أن أصمت أمامهم واستمتع لوجهات نظرهم. * حدثنا عن علاقتك بيوسف شاهين وانطباعك عن العمل معه..؟! ـ لقد استغرقت رحلة الاطلاع والبحث عن ذاتي زمنا طويلا وغير حياتي كتاب منزوع الغلاف لا أدري اسمه أو مؤلفه اشتريته من سور الازبكية القديم وقرأته كاملا داخل أحد أتوبيسات النقل العام.. واعتقد أن هذه الثورة التي حدثت في بداية حياتي عند قراءة هذا الكتاب تواكبها ثورة أخرى عند معرفتي بيوسف شاهين.. في البداية كان كل واحد متحسبا للآخر يريد التعرف عليه.. وجلسنا سويا كثيرا قبل تصوير (المهاجر) وبدأت أول يوم تصوير متوترا جيدا وعند بداية التصوير اختفى الحاجز بيننا.. ويوسف شاهين له أسلوب في توجيه الممثل.. يعطي توجيهاته وينظر في عين الممثل ويسخنه حتى يدخل على الموقف بسرعة فهو يشبه المغناطيس وأنا أسمع له لكي لا أنظر إليه وأعطي للشخصية أمري أنا وهذا هو الفرق بيني وبين أي ممثل آخر عمل مع يوسف شاهين.. فدائما معظم ممثليه يقال عنهم أنهم نسخة منه وقليلون جدا الذين أفلتوا من هذا الأمر مثل محمود المليجي. * حياتك كلها للسينما.. فلماذا كل هذا البعد والهجر للتلفزيون؟ ـ ابتعادي عن التلفزيون قرار ناجح اتخذته منذ فترة طويلة لأن هذا الجهاز الصغير لديه قدرة كبيرة على حرق نجم السينما وإتلاف أوراقه فكان من الأفضل البعد عنه حتى لا تمسني ناره.. فالتلفزيون له نجومه والسينما لها نجومها وكل منهما عليه أن يعطي أفضل في مجاله. القاهرة ـ نيرة بركات