منذ أكثر من خمس سنوات أجريت لقاء صحفياً مع أحد الشباب المواطنين يمتلك موهبة نادرة, وهي حب الابتكار والاختراع, وبالرغم من سنه الصغيرة نسبياً الا انه استطاع ترجمة الكثير من أفكاره الى مخترعات واقعية.. صحيح ان اختراعاته كانت بسيطة نوعاً ما, وتتناسب مع حجم تفكيره , الا انها تنم عن عقلية متفتحة وذهن يبشر بالكثير مستقبلاً, فمثلاً قام بوضع (موتور) بسيط على (قوطي لبن) وحوله الى سيارة صغيرة تعمل بالريموت كونترول, ثم لاحظ ثقل نوم شقيقه الاكبر, فما كان منه الا ان اخترع له (مخدة) خاصة تقوم بايقاظه غصبا عن طريق موجات كهربائية خفيفة في الوقت المطلوب.. وهكذا اخترع مجموعة من الاشياء الاخرى بامكانياته البسيطة والذاتية. اما ما شغلني فجأة هو السؤال عن هذا الشاب حاليا اين وصل؟ وهل استمر في هذا الطريق ووجد من يصقل موهبته ويوجهه الى الطريق الصحيح؟ ام انه اصبح موظفا جامدا في احدى الوزارات او الدوائر يأتي صباحا ليوقع كشف الحضور ثم ينصرف الى بيته ظهرا؟!! في الواقع لا املك الجواب ولكنني بالتأكيد اكاد اجزم انه ترك طريق العلم والمعرفة وبالتالي خسر العالم العربي كفاءة قد تماثل زويل والباز وغيرهما من العلماء الكبار. وما دمنا وصلنا عند زويل والباز نلاحظ ان الاثنين اطلقا تصريحات متشابهة منذ فترة عندما سئلا عن ايهما الافضل: رجوعهما الى بلدهما الام مصر ام البقاء في امريكا؟ زويل قال: فضل امريكا كبير جدا على العلماء العرب ولا شك ان ذلك يساهم في رفع التكنولوجيا عند العرب, والباز اكد ان بقاءه في امريكا افضل له وللعرب, حيث انه يستطيع نقل ما يكتسبه من معارف جديدة الى زملائه العرب. وبكل تأكيد فان كلامهما هو عين الصواب, فبقاؤهما في الوطن العربي يعني ان الباز سيبقى ناظر مدرسة في مصر وهذا المنصب هو كل ما حصل عليه بعد عودته حاصلا على الدكتوراه من امريكا, وزويل لن يجد من الامكانيات المادية والعلمية ما يؤهله للحصول على جائزة نوبل ولا حتى في عام 3000!! وفي المقابل هل ستفرط امريكا او الدول الاوروبية بتلك العقول العربية التي نبغت, اعتقد ان ذلك صعب المنال والدليل على ذلك مقتل عدد كبير منهم في ظروف غامضة عندما عقدوا العزم على العودة حيث قتل العالم المصري سعيد سيد بدير وهو احد علماء تكنولوجيا الاتصال بالاقمار الصناعية, بعد عودته الى بلده بفترة وجيزة, وكشفت بعدها زوجته انه كان قد تلقى تهديدات بالقتل لو غادر الدولة الاوروبية التي كان يعيش ويعمل فيها, مما دفعه الى الخروج منها هاربا بدون ان يحمل اي كتاب او حتى ورقة من مكتبته, لكن سرعان ما عثر عليه ميتا بالاسكندرية.. كذلك العالم المصري يحيى المشد رئيس البرنامج النووي العراقي الذي اغتيل في باريس, وهناك أيضا العالمة النابغة سميرة موسى وهي أول امرأة عربية تتخصص في الطاقة النووية, بمجرد ان فكرت في العودة إلى بلدها قتلت وهي في طريقها إلى المطار!! هذه الأمثلة لا شك انها توضح مدى عجزنا كعرب عن حماية ورعاية علمائنا الموجودين داخل الوطن والمهاجرين عنه, وربما يكون ذلك أحد الأسباب (الصغيرة) التي تمنع الكثيرين من العودة وهذا واقع يعلمه عدد لا يمكن احصاؤه من العقول والعلماء والخبراء العرب المنتشرين في كافة الجامعات والمختبرات والمعامل والمكتبات الأمريكية والأوروبية. إذن هناك حقيقة مرة وهي ان الوطن العربي غير قادر على المحافظة على أي (عقل) عربي, وهذا ما لمسه بوضوح العالم الفذ الدكتور أحمد زويل الذي طرح بالأمس فكرة انشاء مجلس علمي قومي يضم نخبة من الباحثين والعلماء العرب في مختلف التخصصات العلمية ويكون برئاسة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي أكد دعمه وقبوله لانشاء هذا المجلس لما له من أهمية في مساندة وتشجيع أي عمل عربي يصب في خدمة العلم والتكنولوجيا والاستفادة منها في تحقيق أهداف أمتنا العربية في التقدم والتطور الحضاري والعلمي. ولا شك ان هذه الفكرة المتميزة تحتاج إلى دعم أكبر وبالتالي فإنه من الأجدى لو تساهم جميع الدول العربية في هذا المشروع خاصة ان مجال الأبحاث والتكنولوجيا بحاجة إلى امكانيات هائلة, كما ان الفائدة في النهاية ستنعكس على أمة بأسرها. ولو توفرت الأسباب فإننا سنتفاءل خيرا بهذا القرن وسنجد خلال سنوات قليلة أننا (استنسخنا) عددا كبيرا من (الزولات) نسبة إلى (زويل) وليس (زول) ونحلم ان يصل إلى ألف .. مئة ألف.. وربما أكثر من بين 250 مليون عربي. ولو كان مثل هذا المشروع قائما منذ سنوات ماضية فإنني بلا شك كنت سأعثر على الشاب المخترع راعي (قوطي اللبن) وقد أخترع أشياء لا تقل أهمية عن الفاكس والهاتف!!