ربما كان أصدق أنواع الهجاء هو هجاء النفس لا على مذهب الحطيئة الجاهلي الذي امتد به العمر إلى زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين شتم نفسه أن أطل في مرآة صقيلة وقال واصفا سحنته (فقبح من وجه, وقبح حامله) , ولكن على أساس ما نسميه في زماننا بأنه النقد الذاتي.. وفي هذا يورد هادي العلوي في مصنفه الذي ألمحنا إليه في حديث سبق بيتين جادت بهما قريحة إسماعيل بن القاسم المعروف باسم (ابو العتاهية) يقول فيهما: طلبت المستقر بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرا أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا وعندنا أن هذين البيتين من أنفس ما يكون وخاصة البيت الثاني الذي يعد ترجمة للقول الشائع بأن (أذل الحرص أعناق الرجال) وقاتل الله الطمع الذي يستبد بنفس الإنسان الأمارة فيستعبدها أو يستعبده.. وما أكرم أن يقنع المرء لا عن استسلام ولا عن شحة الطموح بل هي القناعة الكريمة أو هي الاستغناء بمعنى الاكتفاء وكبح شهوات الحاجة إلى المزيد مالا كان أو جاها ولله در لغتنا العربية الشريفة التي اشتقت من مادة لغوية واحدة, معنى الضياع (الضاد المكسورة) وترادف الممتلكات والأبعاديات والسرايات وأيضا معنى الضياع (الضاد المفتوحة) بمعنى التخبط والتعثر والتوهان.. ويحضرنا في هذا المقام قول منسوب إلى السيد المسيح عليه السلام: (ماذا لو ربح الإنسان العالم كله .. وخسر نفسه؟) .. ويحضرنا أيضا ما ذهب إليه الشاعر المعاصر صلاح عبد الصبور (رحمه الله) في مسرحية (مأساة الحلاج) حين أجرى على لسان بطله أبو منصور الصوفي هذه الكلمات: ليس الفقر هو الجوع إلى اللقمة والعرى إلى الكسوة الفقر هو القهر الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح بيد أن (أبو العتاهية) (لاحظ أننا لا نعمد إلى تصريف لفظة (أبو) بل نعدها اسم علم ونضعها كما لا يخفى عليك بين أقواس) يواصل هذا الحديث الأمين مع النفس ومع القارىء, وهو حديث نقد التراث وهو ايضا حديث من أندر ما يكون في تراث العرب المجبول على الفخر إلى الذي يوغل مبالغة في بعض الأحيان حين يقول الجاهلي: ملأنا البر حتى ضاق عنا ونحن البحر نملؤه سفينا ان الهادي العلوي يورد كلمات (أبو العتاهية) ويختار عنوان (أخلاق طبقية) إذ يعترف فيها الشاعر بأن قد غرته صولة الغنى وأطمعته انكماشة الفقير.. ويقول: لم يكفني جمعي لضعف يقيني حتى استطلت على المسكين من كان فوقي في اليسار منحته التعظيم, واستصغرت من هو دوني قاموس الهجاء العربي ينتقل بنا إلى شاعر مقل كان يعتاش كما يقول صاحب القاموس على شتيمة بشار بن برد, الشاعر الفحل في العصر العباسي الأول (وكان بشار بالمناسبة من أعلام الهجائيين). الشاعر الهجاء يحمل اسما غريبا يدعو في حد ذاته إلى السخرية أو الهجاء هو (أبو الشمقمق) ومع ذلك يقول هادي العلوي كان بشار يخشى لسانه لأن شعره كان من البساطة ولغته كانت من اليسر لدرجة كانت قريبة من وجدان العامة, ومن ثم كان يرسل القصيدة البسيطة يشتم بها بشار فإذا بالحواري في بغداد ترددها على أفواه حرافيش المقاهي الشعبية وسكان العشوائيات.. مع ذلك يورد قاموس الهجاء كلمات من شعر (أبو الشمقمق) هذا بعيدة عن شتيمة بشار, ولكنها في هجاء الذين يزورون بيت الله الحرام, لا لقضاء فريضة الحج ولكن ابتغاء مرضاة الناس والحصول كما في زماننا على لقب الحاج, فما بالك لو استخدموا أموالا مشبوهة مغسولة بتعبير أيامنا .. يقول الشاعر: إذا حججت بمال أصله دنس فما حججت ولكن حجت العير لا يقبل الله إلا كل طيبة ما كل من حج بيت الله مبرور بعد ذلك يأتي دور (أبو نواس) وكان له صاحب مبغض إليه أو ربما كان مفروضا عليه يحمل لقب البطاقي .. وفيه يقول أبو نواس: شهدت البطاقي في مجلس وكان إلي بغيضا مقيتا فقال أقترح بعض ما تشتهي فقلت: أقترحت عليك السكوتا وصاحب ثقيل آخر يقول فيه أبو نواس: لي صاحب أثقل من أحد قرينه ما عاش في جهد لو دخل النار طفى حرها فمات من فيها من البرد وثمة ظاهرة مشتركة يلمحها من يتابع عمود الهجاء في ديوان الشاعر العربي عبر عصوره المختلفة تلك هي ظاهرة الضيق الشديد من جانب الشعراء بالثقلاء من البشر وأفدح ما يبتلى به الناس من الشخص الثقيل أنه المسكين لا يدري أنه كذلك دعك من أن يكون صاحب أملاك أو منصب يرتجى نواله أو تتقى بوائقه فإذا به وقد أحاط نفسه مع ثقل ظله بطفحة المنافقين الذين يزيدون وطأة الثقل بفعل موشحات النفاق إلى أن تضيق النفس بفعل مزيج السخافة والرياء فلا يجد الشعراء, وهم أهل مجالس في الأساس, سوى باب الهجاء يطرقونه ويشكون إلى الله والناس من فرجة هذا الباب ولسان حالهم يصف الثقيل بأنه كما قال بشار يوما: ربما يثقل الجليس وأن كان خفيفا في كفة الميزان .. هكذا يشيع الجليس الثقيل جوا من البرود من حوله.. فما بالك إذا شاء إتحاف الجلساء بدرر من نوادره وبدائع ظرفه أو ما يتصوره نوادر طريفة وظرفا لا يشق له غبار وإذا كان أبو نواس قد نفث غضبه من صاحبه الثقيل فجعله يطفئ نار السعير فإذا بالمعذبين في لظاها يموتون من البرد, فإن علي بن الجهم الشاعر العباسي المستورد من بداوة الصحراء إلى حاضرة العباسيين يعود إلى حكاية البرود حين يهجو مطربا سخيفا (وربما كان ابن الجهم ينطق بلساننا وقد دخلنا الألفية الثالثة الراهنة تناوشنا وتكاد تخنق أنفاسنا أصوات معنيين أقرب إلى مأمأة المعيز) يقول ابن الجهم: كنت في مجلس فقال مغنى التو م, كم بيننا وبين الشتاء فزرعت البساط مني إليه قلت هذا المقدار قبل الغناء ثم, ها هو ياقوت صاحب معجم الأدباء (يعاود حكاية البرد الشديد هذه فيذكر ابياتا ينسبها إلى شاب مجهول بل وممرور جمع صاحبه بين صمت العي وبرودة الثقيل والأبيات تقول: وصاحب أصبح من يومه كالماء في كانون أو في شباط ندمانه من ضيق أخلاقه كأنهم في مثل سم الخياط نادمته يوما فألفيته متصل الصمت معدوم النشاط حتى لقد أوهمتني أنه بعض التماثيل التي في البساط وقد نتابع حكاية الشكوى من برود الثقلاء, فما بالك لو كانوا يحترفون الطرب والغناء, فن عثر في مكتبتنا العامرة بعد اذنك, على كتاب المستشرق (روفون جست) عن ابن الرومي (ترجمة الدكتور حسين نصار) وكان كما نعلم من صفوة متذوقة الغناء, ولكن شاء حظه العاثر أن يغشى مجلسا لأمير فإذا بالقوم وقد أتوا بالمطربة (فهم) اسمها كذا وكانت على خلاف زميلتها (وحيد) مبغضة إلى نفس الشاعر الكبير ولا ندري سبب هذا البغض, أهو قبح الصوت, أم فداحة الروح أم ثقل الظل, أم دمامة السحنة, أم كل هذه الأسباب مجتمعة, الذي ندريه هو أن ابن الرومي سجل الواقعة فقال: كنت عند الأمير عيسى بن ها رون, و(فهم) , وذاك في تموز فتغنت فهزني القر حتى خلت أني في وسط برد العجوز هكذا اظهرت كيمياء الثقل كرامتها عند المطربة المسكينة فحولت المواقيت وغيرت الفصول من وهج يوليو إلى قارس يناير وقشعريرة فبراير أو .. هكذا شاء اللسان الهجاء عند ابن الرومي الذي يقول عنه العقاد انه ومعه الشاعر العباسي الآخر دعبل الخزاعي هما أشهر الهجائين في أدب العصور الإسلامية عامة. والعقاد لا يرسل مثل هذا الحكم على عواهنه, ولكنه يستحق منا وقفة .. فإلى اللقاء