قبل عدة سنوات اثارت قضية طبيب آسيوي مزيف الرأي العام البريطاني, ولم تهدأ عاصفتها الا بهبوب عاصفة اخرى اقتلعت الاخضر واليابس من طريقها.. ولان الحكاية تتعلق بحياة الانسان, تتواصل في المجتمعات الغربية خيوط القضية ايا كان شكلها وحجمها ولا تموت الا بحكم وقصاص , وقضية الطبيب الاسيوي الذي عالج الناس لاكثر من عشر سنوات ولم يخطىء في تشخيص او اعطاء وصفة خلال مدة خدمته في عيادته الخاصة, انه لايحمل شهادة حقيقية, وكل ما يحمله شهادة مسروقة منحت لشخص آخر, ولان الواقع يقول دائما ان درب الكذب قصير, فقد وقع صاحبنا الطبيب المزيف وهو طالب طب لم يكمل دراسته, وقع دون ان يدري ان الحظ لايصاحب الانسان دائما في شر اعماله كما يقال, فقد زاره احد المرضى وهو صيدلي, وتحاور معه حول مرضه, وبدأ الطبيب يفتي بأمور اثارت استغراب الصيدلي الذي شك في امره, وقام بابلاغ النقابة المهنية عنه والتي لم تشك في امره ابدا لان هذه الشكوى هي الاولى عن هذا الطبيب, ولكن لزيادة الاطمئنان قامت بالاتصال بالجامعة التي اصدرت الشهادة ليفتضح امر الطبيب. واليوم يواصل الرأي العام البريطاني حكاية اخرى من حكايات الاطباء بعد ان اعلن وزير الصحة البريطاني الان ميلبورن فتح تحقيق رسمي في قضية طبيب يدعى هارولد شيبمان حكم عليه بالسجن مدى الحياة بعدما أدين بقتل 15 من مريضاته, ومن المحتمل ان يلاحق لارتكابه 100 جريمة قتل اخرى خلال الثلاثين سنة لممارسته عمله كطبيب ليصبح بذلك احد اسوأ القتلة في تاريخ بريطانيا. وسيركز التحقيق الرسمي على الضوابط القانونية المتعلقة بصلاحية الاطباء في تصديق شهادات الوفاة وتسجيل الوفيات والتي ترجع الى اوائل القرن التاسع عشر.. وحتى لا اطيل في سرد تجاوزات طبيب لا علاقة لنا به امسك مفصل الزمن لاذهب عميقا حيث اوراق التاريخ تدون حادثة تبدو شبيهة بما يحدث في زمننا هذا, ففي حوالي عام 931 ميلادية وصل الى علم الخليفة المقتدر ان طبيبا بغداديا قد ارتكب خطأ فنيا لدى معالجته احد الاشخاص أودى به الى الموت, فماذا حدث؟ بكل سلاسة تأخذنا المستشرقة الالمانية هونكه في كتابها (شمس العرب) تسطع على الغرب الى حيث تفاصيل ذاك الزمن فتقول مكملة الحكاية.. لم يتوان الخليفة المقتدر, بل اصدر امرا بالتحقيق مع كل الاطباء ماعدا الذين يعملون لدى الحكومة والتأكد من حيازتهم على تصريح بالعمل, ثم انشأ غرفة الاطباء وعين ثابت بن سنان رئيسا لها وامره ان يمتحن كل طبيب على حده, فإذا ما وجده ضليعا في فرع من فروع الطب اعطاه تصريحا بالعمل فيه, وبعد قرنين من الزمن من وفاة سنان تسلم ابن التلميذ منصب الرئاسة, ومرت به نوادر وحوادث لدى الامتحانات التي كان يجريها لطلاب الطب, حيث بلغ الاطباء في جانبي بغداد اكثر من 800 طبيب, في الوقت الذي لم يكن في كل مقاطعات الراين طبيب واحد. ومن نوادر ابن التلميذ ان الخليفة فوض اليه رئاسة الطب, ولما اجتمع اليه سائر الاطباء ليرى ماعند كل واحد منهم من هذه الصناعة, كان من جملة من حضره شيخ له هيئة ووقار وعنده سكينه فأكرمه امين الدولة, وكانت لذلك الشيخ دربة ما بالمعالجة, ولم يكن عنده من علم صناعة الطب الا التظاهر بها, فلما انتهى الامر اليه قال له امين الدولة: ما السبب في كون الشيخ لم يشارك فيما يبحثون فيه حتى نعلم ما عنده من هذه الصناعة؟ فقال: ياسيدنا, وهل شيء مما تكلموا فيه الا وانا اعلمه, وقد سبق الى فهمي اضعاف ذلك مرات كثيرة؟ فقال له امين الدولة: فعلى من كنت قد قرأت هذه الصناعة؟ فقال الشيخ: ياسيدنا, إذا صار الانسان الى هذه السن ما يبقى يليق به الا ان يسأل كم له من التلاميذ, ومن هو المتميز فيهم, واما المشايخ الذين قرأت عليهم فقد ماتوا من زمن طويل. فقال له امين الدولة: ياشيخ, هذا شيء قد جرت العادة عليه ولا يضر ذكره, ومع هذا, اخبرني اي شيء قد قرأته من الكتب الطبية؟ وكان قصد امين الدولة ان يتحقق ماعنده فقال: سبحان الله, صرنا الى حد ما يسأل عنه الصبيان, واي شيء قد قرأته من الكتب, ياسيدنا لمثلى ما يقال الا اي شيء صنفته في الطب, وكم لك فيها من الكتب؟ ولابد ان اعرفك بنفسي, ثم نهض الى امين الدولة ودنا منه وقال له: فيما بينهما همسا: ياسيدي, اعلم انني قد شخت وانا اوسم بهذه الصناعة, وماعندي منها الا معرفة اصطلاحات مشهورة في المداواة, وعمري كله اتكسب بها, وعندي عائلة, فسألتك بالله ياسيدنا مشي حالي ولاتفضحني بين هؤلاء الجماعة. فقال امين الدولة: على شريطة وهي انك لاتهجم على مريض بما لاتعلمه. قال الشيخ: هذا مذهبي منذ كنت. فقال امين الدولة معلنا, والجماعة تسمع: ياشيخ اعذرنا فاننا ما كنا نعرفك والآن قد عرفناك, استمر فيما انت فيه, فان احدا ما يعارضك.. ثم عاد بعد ذلك فيما هو فيه من الجماعة, وقال لبعضهم: على من قرأت هذه الصناعة؟ وشرع في امتحانه, فقال: ياسيدنا أنا من تلامذة هذا الشيخ الذي قد عرفته, وعليه كنت قد قرأت صناعة الطب, ففطن امين الدولة بما اراد من التعريض بقوله, وتبسم ثم اخذ يمتحنه. هكذا يسقط التاريخ بين ايدينا تلك الاوراق والحكايات التي تدل بشكل قطعي على فهم العرب والمسلمين في مراحل متقدمة للغة الطب واسسه وشرف تلك المهنة الانسانية, والسؤال الذي يفرض نفسه ويحتاج الى سنوات وسنوات لفهمه وادراكه: اين نحن من الانسان وحياته في دول العالم الثالث, واين نحن من الشهادة ومبضع الجراح؟