رقص الموتى على وشك النهاية, مالاجاسي كانت منهمكة في اخراج رفات الاحباء الراحلين من القبور ومراقصة الجثث ثم لفها من جديد بعناية واعادتها الى المثوى الاخير قبل ان تبدأ حرارة الطقس بالارتفاع. في مثل هذه الحفلات يجتمع الاقارب والاصدقاء لتبادل الانخاب على انغام الاغاني التقليدية واحدث الالحان الغربية الراقصة التي تبث طوال الليل من مكبرات الصوت. ان حفلة فاماديهانا هي ذرة طقوس تقديس الاجداد, وهو من اقوى التقاليد في مدغشقر, إلا ان المسئولين الثقافيين يقولون ان الحفلات تزداد صغرا سنة عن سنة بسبب الفقر الشديد في هذه الجزيرة الواقعة في المحيط الهندي وهي احد اكثر البلدان فقرا في العالم. ان الحفلة الواحدة كافية لاستنزاف كل ما ادخرته العائلة لعدة سنين ولذلك اخذ الناس يبتعدون عن الحفلات الكبيرة, ويقول مامي راكوتوبي مدير التراث الوطني ان المحتفلين لم يعودوا يذبحون اعدادا كبيرة من الابقار, وهم يقللون من عدد المدعوين الى حفلاتهم, وهذا لا يعني ان الاهتمام بالطقوس اخذ يزول, بل العكس, ولكن حجم الاحتفالات يتضاءل لاعتبارات اقتصادية. ويقول الخبراء الاقتصاديون ان تصاعد الغلاء والتضخم الكبير الذي حدث في مطلع التسعينيات اديا الى ارتفاع خيالي في الاسعار, غير ان معظم المواطنين لم يستفيدوا من التنامي الاقتصادي, وادت الروحية الاستهلاكية بعد انتهاء مرحلة الاشتراكية التي سادت في الثمانينيات الى توجيه السيولة القليلة المتوفرة لدى الاسر نحو اقتناء سلع جديدة. والعائلات التي تفكر باقامة حفلة (فاماديهانا) تضطر الى اعادة النظر او التفكير مليا بالنفقات الكبيرة التي سترتب عليها. المصور توسان راهاييسون يتذكر حفلة فاماديهانا مشهورة اقيمت قبل عشر سنوات من قبل موظف حكومي كبير شاء تكريم اجداده لمساعدتهم اياه على الشفاء من مرض خطير, احضر اكثر من 2000 مدعو الى الحفلة التي دامت خمسة ايام تم خلالها استخراج اكثر من 100 جثة من القبور وذبح اكثر من 120 بقرة, ويقول المصور الذي حضر الحفلة ان مثل هذه الحفلات لم تعد تقام هذه الايام. غير ان الناس لا يزالون ينفقون مبالغ كبيرة للغاية احتفالا بأقاربهم الراحلين الذين لهم مكانة مقدسة ويعتقد ايضا انهم يتمتعون بالقدرة على جلب الحظ والمآسي للعائلة, والحقيقة ان قبور هؤلاء المبنية من الحجارة والاسمنت هي عادة في حالة افضل من منازل الاحياء المبنية من الطين, ولا تزال العائلات تنفق ما يتراوح بين 80 و400 دولار على طقوس اكثر تواضعا في بلد لا يتجاوز فيه دخل الفرد السنوي 240 دولارا. وتقول لوسي رازافيار 27 سنة وهي متزوجة من سائق حافلة ان هذا تقليد ولذلك ننفق المال. وتقام حفلات فاماديهانا أي (تقليب العظام) في الاشهر الواقعة بين مايو ونوفمبر وهي اشهر الشتاء في القسم الجنوبي من الكرة الارضية. وقد اقامت عائلة رازافيار هذه السنة حفلة كلفت 180 دولارا, تم فيها المحافظة على التقاليد مع الاقتصاد من النفقات, زارت لوسي وآخرون من افراد العائلة ضريح العائلة في الليلة السابقة لاستخراج العظام ليقولوا للموتى في الضريح ان ارواحهم يجب ان تجمع في الصرح الحجري في اليوم التالي لانه سيتم اخراجها, كما انهم قدموا للاجداد ملخصا لكل الثرثرات والحوادث في العائلة منذ الفاماديهانا الاخيرة قبل خمس سنوات. وفي تلك الليلة اقامت العائلة حفلة دامت طوال الليل اقتصرت على الاقارب والاصدقاء المقربين فقط. وللتوفير في النفقات لم تذبح العائلة بقرة بل اشترت كمية من اللحوم, واحضر الضيوف معهم كاسيتات الموسيقى التقليدية والموسيقى الراقصة التي يفضلها شباب العائلة. وقررت العائلة استئجار فرقة موسيقية نحاسية لمرافقة الموكب العائلي الى الضريح في اليوم التالي وسار في مقدمة الموكب رجل اعمال يحمل علم البلاد, فيما لوح افراد العائلة وهم يرقصون بحصر منسوجة للف رفات الاحياء الراحلين. وفور الوصول الى الضريح انصرف الضيوف الى استخراج الجثث العشر التي كانت مصفوفة على رفوف مرتبة حسب الاعمار, ووضعت العظام والبقايا المغبرة على حصر القش ونقلت من شراشفها القديمة الى ملاءات جديدة جرى عقدها او تثبيتها بالدبابيس سبع مرات من اسفل الى اعلى. ثم رفع الاقارب الجثث على اكتافهم, وعند انطلاق صرخة الاشارة رفعوها مثل الباليرينا ورقصوا معا بالدوران حول الضريح ثم اعيد الموتى الى قبورهم مع هدايا من الاشياء التي كانوا يحبونها مثل الخمر والقهوة والسجائر. وبعد جدل بين الاقارب حول من يحق له حمل الحصر الى المنزل اقامت العائلة حفلة اخرى في المقبرة. ورغم الخلاف حول نقل الحصر تشكل هذه الحفلات عاملا قويا لتوحيد الصفوف ومصدر هوية للمالاجاسين, حيث يشارك فيها اتباع ديانات ومعتقدات اخرى. ويقول راكوتوبي: ان الحفلات تدمج بين الناس من كافة المعتقدات وتساعد على المحافظة على الاحساس بالذات, ان هؤلاء الموتى هم بطاقة هوية العائلات التي ستبقى مرتبطة على الدوام بالطقوس. خدمة أ. ب