مثل كثيرين غيري, سحرني (الهامور) , فأدمنت ذكره والبحث عنه صيفا وشتاء وحسبت ان كل الايام هي موسم له.ولانه نجم يرقبه الجميع, ويبحث عنه الجميع, تجده في كل مكان, تشير إليه الاصابع من بعيد, وتقترب منه فخورة ـ اي الاصابع ـ وهي تلامس جلده المميز, حاضر في السوق يجلس اعلى الدكة متفردا , يأخذ حيزا اكبر من الجميع, وتجده على المائدة ملكا, مزينا بألوان واشكال ونكهات, والضيوف يتركون ماسواه ويجلسون له وحده. هذا الهامور يسكن فنادق النجوم العالية, وقد يجلس بعض الايام في بيوت الفقراء. وطبعا سعره غال, لا ينخفض, مهما تكاثر وتزايد, فلا احد يصدق ان الهامور يمكن ان يرخص, حتى لو (طاح) السوق ومافيه. وتأتي منزلة الهامور هذه, لانه من النوع الذكي, فهو مطواع في يد صاحبه, ميزته انه يختلف عن جميع أنواع الاسماك, في انه يمكنك ان تأكله مقليا أو مشويا أو مطبوخا, وبكل الطرق يكون لذيذا, لا يفقد اهم ميزاته, وهو لون لحمه الابيض, الناصع, لونه الشهي لا يتبدل, حتى لو لم يكن طازجا, وقد يكون هذا سر تألقه وزيادة الطلب عليه. وشهرة الهامور جعلت من اسمه (ماركة) , فهي السمكة الوحيدة التي يكاد يكون متفق على اسمها في لغات وبلدان مختلفة. هذه الشهرة جعلت الهامور يطلق حتى على الانسان, فعندما يراد ان يوصف تاجر ما, بأنه واسع الثراء, يقال انه هامور كبير. ولكن الهامور له تاريخ اسود! إنه اسوأ انواع الاسماك, وهو الصنف الذي كان يرميه البحارة إذا صادف وان التقطته شباكهم, يرمونه في الماء مرة ثانية, ميتا هذه المرة, أو يتركونه للخدم, فراعي البحر واهله لا يأكلون هذه السمكة (الخسيسة) . هذه معلومة اخبرني بها المؤرخ البحريني الخليجي المعروف مبارك الخاطر, الذي كان عندنا في الامارات الاسبوع الماضي, يقول: إن سبب كره الصيادين في الماضي لهذه السمكة قد يعود إلى انها تأكل اي شيء يصادفها, فمها مفتوح لجميع انواع الفضلات. سبب ذكر مبارك الخاطر لهذه المعلومة عن الهامور, هو (احاديث سمك) ديوان قصص شعرية كتبها مبارك الخاطر على لسان وعن احوال الاسماك. ومعلومة كره اهل الخليج في الماضي لسمكة الهامور جاءت في قصيدة (ابو البالول) والبالول هو صغير الهامور كما يسميه اهل البحرين. في حديث سمكة الهامور للربان (جهام) الذي قال عنها: (إنك في مقام إدام من لاحظ له سقط المتاع بين اسماك تفوقك منزلة) ردت عليه تفتخر بازدياد الطلب عليها في هذا الزمن, يقول الهامور مخاطباً جهام: قد كنت في ازمانكم محقراً.. لا شأن له حرّمني بعضكمو أن لا ارى في مأكله ولا (أطب) بيته في (نقصة) المجاملة قالوا: رأوني لا اكف عن رديء المأكله قالوا: رأوا ما اقتاته نجاسة مجللة تغير التصنيف يا (جهام).. في ذي المسألة اليوم يا (جهام) إني في عظيم المنزلة تحسدني الاسماك ممن لم تنل ما تأمله (ترزني) فنادق تؤدم بي مجاملة اعرف باسمي.. لا بمنحول الاسامي المخجلة إن (الهوامير) طغت واصبحت محصلة تسنمت عروش اكلاتكم المفضلة واتخمت بطونها بالنصب أو بالمهزلة ولا تقل (اين لها هذا وهل تستأهله) ؟ حوت كبير آكلا صغاره في عجله! شخصيا سأعيد النظر في علاقتي مع (الهامور) سأبحث عن بدائل, ولاشك ان البحر الواسع فيه خيرات وخبايا. اما صاحب التاريخ الاسود أبوالفضلات, فيبدو ان الابتعاد عنه خير للصحة اولا, و(للجيب) ثانيا. مهما غلا ثمنه, ومهما لمعت قطرات الماء جلده الاملس الملون, لن يغريني بعد اليوم. ابحثوا عن (هامور) نظيف صحي, له اسم غير هذا الاسم.