مكانان إليهما أرحل بذاكرتي بمجرد الشروع في استعادة زمني الأول, محاولا تلمس عناصر ربما غابت عني, الغريب أن الإنسان كلما نأى عن المحطة الأولى كلما رآها بشكل أوضح. المكان الأول, غرفة فسيحة فوق سطح البيت رقم واحد, عطفة باجنيد, حارة درب الطبلاوي, شارع قصر الشوك كما ذكره المقريزي, أو قصر الشوق . أقدم صور ذاكرتي ترتبط بتلك الغرفة التي أستأجرها والدي للأسرة بعد أن عاش زمنا في حجرة بحارة حوش قدم كما يسمى ا لآن, أو خوش قدم كما كان يعرف في الماضي أي قدم السعد, للأسف لا أعرف موقع البيت الذي اقامت فيه أمي بعد فترة صعبة إثر مجيئها من البلدة. كانت تلك الغرفة في حارة درب الطبلاوي بمثابة نقلة في حياتها, غرفة في الطابق الخامس, يمتد أمامها سطح فسيح, كنت أرى عبر أسواره التي كان ارتفاعها يحاذي بالكاد رأسي أفق المدينة التي لم تعرف العمارات العالية, كانت أعلى منارة تقع إلى جهة الشمال, في غمرة, وفي المساء يبرق فوقها إعلان عن مشروب الكوكاكولا, أما الآن فتعد عمارة قزمة, أما في الغرب فكان ممكنا رؤية الأهرامات, خاصة بدءا من العصر وحتى اكتمال المغيب. أقدم صور أمكنني الوقوف على ملامحها صورتان, أو لنقل موقفين لا يمكنني ترتيبهما, فلا أدري أيهما أسبق؟ ذات ليلة, نخرج معا مفارقين الغرفة, الوالد والوالدة التي تحمل شقيقي إسماعيل, وننزل إلى الطابق السفلي, في شقة جار لنا اسمه أحمد عمر, غارة جوية والأضواء الكاشفة تمسح سماء المدينة بحثا عن الطائرات الصهيونية المغيرة. هذا زمن الحرب إذن, عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف, لي من العمر وقتئذ ثلاث سنوات, ما سبق ذلك العام بالنسبة لي, لا يمكنني أن أتبين ولا بصيصا ضئيلا من الضوء. الصورة الثانية, أقف إلى جوار أبي, بينما يقوم هو بنصب السرير الحديدي أسود القوائم بمساعدة أمي, وفوق حشية في ركن الغرفة إسماعيل شقيقي, طفل ابن شهور معدودات, ملفوف في قماط أسود, وعلى جبهته علامة من البن, كان جميل الصورة, ويبدو أن أمي خافت عليه من الحسد, خاصة أنها فقدت أول أبنائها خلف, و ا لذي أطلق عليه الوالد أسم المرحوم المستشار خلف الحسيني الذي كان سببا في جريان رزقه وتعيينه في وزارة الزراعة, فقدت أيضا أبنها الثاني كمال الذي توفي على باطها عند منعطف حارة درب الطبلاوي أثناء عودتها من عند الطبيب, كنت أول من قدر له أن يعيش من الأبناء. هذه الحجرة, وهذا السطح, أول سمات عالمي الأول, من السطح كنت أرى مئذنة مولانا وسيدنا الحسين, وعند الظهيرة أرى شيخا يطوف الشرفة الدائرية رافعا الآذان, وكنت أعجب به لماذا يبدو صغيرا هكذا. كان بإمكاني الاستماع إلى صوته ولكنه عندما يتجه إلى الجانب الآخر يختفي, في السماء تعبر طائرات قادمة من الجنوب إلى الشرق, في اتجاه المطار, كثيرا ما تعلقت بها, وربما لهذا السبب كنت أتمنى أن أصبح طيارا, وبعد حصولي على الشهادة الإعدادية وددت لو ألتحق بمدرسة ميكانيكا الطيران, لكنني لم أفعل, ثم محوت هذه الرغبة تماما, لكنها ربما تكون وراء تلك العادة التي تدفعني إلى رسم أشكال مختلفة من الطائرات على الورق حتى الآن, خاصة لحيظات شرودي, وأيضا اهتمامي بكل ما يتعلق بأخبار الطيران, فوق السطح أيضا كانت والدتي تجلس إلى (طشت) الغسيل, تغني مقاطع من أغنيات صعيدية تفيض بالشجن, والحنين إلى جهينة البعيدة. إلى جوارها كنت أقعد بعد إلتحاقي بالمدرسة الإبتدائية وأحكي لها عن ممرات سرية في المبنى, وتقسيمنا إلى جيشين متحاربين وتسليمنا أسلحة, وأفيض في تفاصيل هذه المعارك, وكانت تصغي مبدية الجزع أحيانا, أو تحذرني من المخاطر, وحتى الآن لا أدري, هل كانت تصدق أكاذيبي البيضاء؟ أو أنها كانت تسايرني, على أي حال كان اصغاؤها أول محرض لخيالي على الإنطلاق. في داخل الحجرة كان والدي رحمه الله يتمدد في أوقات الصفو, ويقرأ استقالة متخيلة في الصحيفة التي واظب على شرائها صباح كل جمعة, استقالة من عمله بوزارة الزراعة, ثم يبدأ في قراءة بطيئة للعناوين, كان يقرأ بصعوبة بعد أن فشل مشروع إتمام تعليمه في بداية حياته الوعرة, عندما استولى أحد أقاربه على مبلغ خمسة وعشرين جنيها أودعها عنده أمانة لينفق منها على دراسته بالأزهر. يقرأ والدي ببطء وفي نفس الوقت يشير إلى الحروف, كنت أتعلم منه, أتابع إشاراته, من أصبعه حفظت شكل الحروف, هكذا .. عرفت القراءة قبل التحاقي بمدرسة عبد الرحمن كتخدا, عرفتها قبل أن أعرف الكتابة. في هذه الحجرة كنت أتمدد متخيلا نفسي أمشي على الجدار ثم أخطو مقلوبا فوق السقف, وكنت أصغي إلى حكايات يرويها أبي بإعجاب عن البسة الذي هزمه الأمير همام, أمير الصعيد, ويروي شعرا مازا ل مكتوبا على أطلال بيت البسة في جهينة, وكنت أصغي إلى ما يرويه لأمي عن أدهم ا لشرقاوي, وعن خط الصعيد. المكان الثاني, بيت خالي في جهينة, للأسف, لا أ ذكر أي صورة من الشهور الأولى التي أمضيتها فيه أثر مجيئي إلى العالم يوم التاسع من مايو عام خمسة وأربعين, اليوم الذي أكتشفت فيه بعد أنه شهد تسليم ألمانيا وانتهاء الحرب في أوروبا كما ذكر عنوان جريدة الأهرام الصادرة في ذلك اليوم. كان الأربعاء. عرفت المكان خلال سفرنا السنوي إلى جهينة, خاصة عطلات الصيف بعد دخولي المدرسة, كنا نمضيها أربعة أشهر كاملة هناك, في المساء كنت أجلس إلى جدتي النحيلة, التي أذكر تكوينها ولا أذكر ملامحها إلا وشما أخضر يتوسط ذقنها, كان جدي الذي رحل قبل مجيئي بزمن طويل شيخا للقرية, أمام المسجد, والمأذون, ومادح الرسول, والمداوي للأوجاع بواسطة الحجب والتعاويذ. في الخزانة ترك مجموعة كبيرة من الكتب, من المخطوطات, في السنوات الاخيرة وجدت بينها شرح فصوص الحكم مخطوطا للشيخ الأكبر, ومخطوطات للقاضي عياض, وأوراق أخرى منسوخة بخط جميل, أسود و العناوين حمراء اللون, ضاعت عناوينها, ولكن بعضها أوردة وأذكار, ومنذ حوالي خمسة عشر عاما زرت جهينة واجتمعت بمن أدرك جدي لأمي, كانوا مازالوا يذكرون صوته الجميل, الشجي عندما ينشد المدائح النبوية, أو يودع الحجاج باناشيده التي تفيض شوقا إلى أرض مقدسة لم يبلغها . بين كتبه أجزاء من طبعة قديمة لملحمة الظاهر بيبرس, كنت أقرأ بصوت مرتفع لجدتي التي كانت تجلس صامتة تماما, مصغية بعمق, ولا أدري, هل كانت تتابع ما أقرأ, أو ترحل عبر ذاكرتها؟ هذا البيت كنا نقيم فيه أثناء قضاء العطلة الصيفية مازلت أحفظ روائحه, رائحة الغلال التي كان يتاجر فيها خالي, وأجولة الصوف والخبيز عند الظهيرة, والطعام عند الغروب, خاصة اللحم المقلي مع البصل, والدوم, والصومعة التي كنت اختبىء داخلها أثناء خلوها من القمح. مازلت أذكر رائحة التين القوية, والبلح بأنواعه المختلفة, وتفاصيل عديدة عن حكايات الجان الذي يظهرون خارج بيوت الربع, - جهينة مقسمة إلى أربعة أقسام كان خالي يؤكد أنه رأى عفريتا يقيم ناحية الساقية أ سمه ( شيكتح) , وكنت اتضام داخل نفسي وأنا أصغي خائفا, محاولا أن اتخيل شكل هذا العفريت. لا أذكر متى تردد عندي هذا السؤال: أمبارح راح فين؟ في الحجرة التي أقمنا فيها بالجمالية؟ أو في بيت خالي في البلدة؟ أو أثناء صحبتي لوالدي عد ذهابي لزيارة الأضرحة والاولياء, كان يزور كافة المشايخ والأولياء, كبيرهم وصغيرهم. وكثيرا ما صحبني, حتى إلى قبور الراحلين, ومن قبر الشيخ مصطفى المراغي أرتبطت عندي رائحة الريحان بالموت الذي لم أكن أ فكر قط في هذه الأيام الأولى, ولكن هذا السؤال تردد عندي أثناء تحديقي إلى أفق القاهرة من فوق السطح. متى؟ لا يمكنني التحديد. لقد انتقلنا من هذه الحجرة إلى شقة جديدة في عمارة حديثة تقع في مواجهة خانقة بيبرس, أحد أجمل وأرق المباني الإسلامية, بيت عليش, وكانت أسرة لديها مخابز في الجمالية, كان عمري وقتئذ عشرة أعوام تقريبا. قبل انتقالنا هذا أذكر أنني سألت أبي في ساعة صفو أثناء جلوسنا فوق السطح (أمبارح راح فين؟) تطلع إلي صامتا, لم يجب, مع أنه كان يرد على كافة ما استفسر عنه, مازلت أذكر عينيه المثقلتين بشقاء وكد عظيمين. ترى ماذا دار بخلده؟ هذا ما سأرحل عن الدنيا ولن أعرفه أبدا, لكن ما أدركه تماما أن هذا الاستفسار الذي كنت أراه بيني وبين نفسي, ثم استمر وتصاعد, وتعقد, مازال هما يلازمني, خاصة مع إدراكي آنئذ للآجال حدا, وأن ما مضى أكثر مما تبقى.