اذا كانت هذه هي حصيلة التجربة السياسية لعهد يلتسين, الرجل الذي يحب السكر حد الثمالة.. وبحيث انه زاد عليه مرضه, فأصبحت حالته عبارة عن خوف من مستقبله وعن مستقبله الصحي او المصير المجهول لبلد مفكك, تباع فيه القطع النووية, تماما مثلما كان يباع اثاث البيوت القديم في شوارع بيروت في زمن الحرب, ويبدو ان السقوط واحد في كل انحاء العالم, ولايهم ان كان ذلك في شرقه او غربه.. تضاعفت مخاوف يلتسين الى حد الضغط, وزاد في مخاوفه ان عائلته ومقربيه شكلوا لانفسهم امبراطورية ممتدة من المصالح والمواقع التي تهدد معها صورة الرجل النظيف عند سيد الكرملين, وباتت الابنة (تاتيانا) (دلوعة) يلتسين تفعل ما تشاء بقرارات اكبر قوة نووية في العالم, ولم يجد يلتسين امام اعجابه بابنته حلا اخر سوى الاسناد لها مهمة المستشارة الاعلامية لشخصه الكريم. وامتد نفوذ البنت الى حد الاشارة بإسقاط رؤساء حكومات ولايهم في ذلك ان كانوا في مستوى مواهب وعبقرية (بريماكوف) السياسية والاقتصادية. العائلة الكريمة... ومصالحها ونفوذها في روسيا, هم الذين شكلوا المرض المضاعف ليلتسين, لان الخروج من سدة الحكم بات ضرورة وحتمية صحية (وتاريخية) في حياة يلتسين, الا ان السؤال العالق, من يضمن مصالح العائلة الكريمة بعد رحيل الوالد والجد عن سدة الكرملين؟ وهنا فقط.. دخل يلتسين لعبة استبدال الحكومات واسقطها تباعا الى درجة لم تعد بقية العالم تعرف كيف ومع من تتعامل عندما يتعلق الامر بروسيا, وكان على العالم ان يكون جاهزا وباستمرار للتعامل مع رجالات يلتسين في كل مناسبة, ولعل الصورة الهزلية التي اقيل بها اخر رؤساء حكومات يلتسين خير دليل على ذلك, وذهب الرجل الى حد استدعاء احد الشباب المغمورين سياسيا (35 سنة) وتكليفه بتشكيل حكومة حاول (بريماكوف) وهو رجل من جيل مختلف سياسيا وثقافيا وذهنيا ايضا ان يعيد خلال فترة حكومته شيئا من البريق للسلوك السياسي في روسيا ولكن الكارثة كانت قد وقعت وسقط السكر في الماء.. كما يقول نزار قباني. وذهب (بريماكوف) شخصيا ضحية لنضجه السياسي وشموخه الاخلاقي في زمن التهاوي الروسي. والغريب في امر يلتسين انه يملك قدرة خارقة على تحويل الناس الى اصدقاء, كما يفعل بهم نفس الشيء عندما يريدهم ان يكونوا اعداء, وهذه بعض ملامح الدراما الروسية بإخراج وتوقيع مخرج فاشل من حجم يلتسين الذي فضل اخيرا مغادرة المسرح والى الابد.