طالعت اليوم ما اعده وكتبه ابراهيم العريس في حصاد ذاكرة القرن الماضي عن عقد الستينيات وتركت عيني تعدو فوق الاسطر والاعمدة, حرة طليقة كمشاعري التي تدفقت امواجها المتتابعة حاملة معها الذكريات المرتبطة بهذا العقد. ولم يستطع شيء ان يوقفني او يصرف انتباهي عن القراءة. تركت كل ما يمكن ان يشدني اليه, واستغرقت تماما في حركة العين المطالعة التي تحولت الى افعال متدافعة من التذكر. وكانت دوافعي في ذلك ذاتية بالمعنى الذي يصل العام بالخاص, او ينتقل من الفردي الى الجمعي, فمع سنة 1960 اكملت عامي السادس عشر, وفارقت سنوات الصبا الى سنوات الرجولة التي بدت مغوية, وانتقلت من بلدتي الصغيرة (المحلة الكبرى) الى العاصمة الكبيرة: القاهرة والتحقت بكلية الآداب في الجامعة التي لم افارقها الى اليوم, والتي وضعتني منذ البداية في دوائر الاستجابة الى الاحداث الوطنية والقومية الكبرى, وألقت بي في تيارات السياسة والثقافة والابداع المتعددة, لكن بعد ان غرست في داخلي بذرة الحلم التي ظلت تتبرعم, وتكبر, وتتعدد افرعها واغصانها واوراقها فتصل الى درجات من الفرح والحزن, والبهجة والكآبة, السعادة والتعاسة الامل واليأس, القبول والرفض, درجات من المشاعر المتضادة التي تقضى اواخرها على اوائلها, او تنقضه, خصوصا عندما تقع اسيرة اللحظات التي تستبدل الكابوس بالحلم. وقد ادركت بعد ان هدأت حدة انفعالاتي المتضاربة ان تجاور الاضداد وتعاقبها اهم ملامح الستينيات في ذاكرتي التي ارخيت لها العنان, وتركت لها حرية استرجاع ما تراه دالا من الاحداث, فوجدتها تنوس بين الاضداد, سواء في اللحظة نفسها من لحظات العقد, او في تعاقب اللحظات من سنواته المتتابعة التي لا تنسى على كل المستويات. ولذلك كانت سنوات هذا العقد سنوات ممزقة بين وقت الورد الذي يبدأ فيه كل شيء ووقت الرماد الذي ينطفىء فيه كل شيء سنوات المابين الذي يجاور بين المتناقضات مازجا الحلم بالكابوس, صانعا حالا ملتبسا من العصف الجميل الذي لا يأتي بالخراب الجميل, فلا يفارق تدافع الهتك العظيم وخلخلة العقول, اذا جاز لي ان استخدم هذه اللغة الادونيسية, فالستينيات في ذاكرتي سنوات متأرجحة بين الاضداد, ينطبق عليها ما وصف به الكاتب الانجليزي شارلز ديكنز سنوات الثورة الفرنسية في مفتتح روايته الشهيرة (قصة مدينتين) وكان ذلك حين تحدث عن عصر من احسن العصور ومن اسوأ العصور في الوقت نفسه. ويظهر العصف الجميل للستينيات حاملا علامات زمن الورد على المستوى الوطني القومي في احداث كثيرة دالة, احداث جعلت من الستينيات سنوات التأميم الوطني والمد الاشتراكي, وسنوات الميثاق وصعود حلم العدالة الاجتماعية الى ذروته في مصر كما كانت سنوات استقلال الكويت وانتصار الثورة الجزائرية واعلان الجمهورية الجزائرية, وكذلك سنوات سقوط حكم الائمة في اليمن وقيام الجمهورية اليمنية, فضلا عن الاطاحة بحكومة الانفصال في سوريا, وانعقاد اول مؤتمر قمة عربي في مصر, وانطلاق حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) التي قادها ياسر عرفات. واخيرا, كانت السنوات التي شهدت التحالف الدفاعي المصري السوري, وتكرار محاولة الوحدة بين مصر والعراق, وقيام الثورة الليبية بقيادة معمر القذافي. ولكن هذه السنوات, من الناحية المقابلة, هي نفسها التي شهدت من الكوارث الوطنية والقومية ما استبدل الاحلام بالكوابيس, فهي سنوات العقد الذي بدأ بمحاولة العراق بضم الكويت اليه في يوليو ,1961 وشهدت الانفصال الذي ادى الى تحطيم الجمهورية العربية المتحدة في سبتمبر 1961. وهي السنوات التي شهدت اقتراح بورقيبة (في ابريل 1965) مشروعا للتفاوض مع اسرائيل على اساس خطة الامم المتحدة بتقسيم فلسطين لسنة ,1947 كما شهدت انقلاب هواري بومدين على حكومة ابن بيلا في الجزائر في يونيو ,1965 وفشل الاتفاقية المصرية ـ السعودية حول اليمن في فبراير ,1966 ووفاة الرئيس العراقي عبدالسلام عارف في حادث طائرة في نوفمبر ,1966 وتكثفت كوارث الستينيات بالكارثة الكبرى في يونيو سنة ,1967 حيث انتهت حرب الايام الستة باحتلال اسرائىل لمرتفعات الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء واغلاق قناة السويس, ومن ثم دخول الأمة العربية كلها في سمادير متزايدة لنفق مظلم, ازدادت كثافة ظلمته مع الغارات الاسرائىلية في عمق الاراضي المصرية في مارس ,1970 وانفجار احداث ايلول الاسود التي اشتبك فيها الجيش الاردني ومقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر ,1970 وكان ذلك في التتابع الحزين للايام التي انتهت بوفاة عبدالناصر واعلان السادات خلفا له في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970ر هذه السنوات التي لا يثمر تتابعها الا المفارقات هي السنوات التي بدأت عالميا, بما هو واعد, ولكنها سرعان ما استبدلت الاحباط بالوعد, والسالب بالموجب, ولنتذكر انها السنوات التي بدأت باعلان استقلال قبرص وانتخاب كنيدي رئيسا للولايات المتحدة واعلان قيام منظمة الاقطار المصدرة للنفط (اوبك) في ,1960 وتواصلت موجاتها الواعدة بقيام اول رحلة الى الفضاء, وهي الرحلة التي ارسل فيها الاتحاد السوفييتي يوري جاجارين في سبتمبر 1961ر وكان ذلك في سلسلة التنافس الذي انتهى بالولايات المتحدة الى النجاح في ارسال او رائد فضاء امريكي يسير على سطح القمر, وهو نيل ارمسترونج الذي ترجل من مركبته النسر, وشاهدته البشرية كلها على سطح القمر في الحادي والعشرين من يوليو 1969ر وكان ذلك الفعل في الوقت نفسه نوعا من الحدث العالمي الايجابي الذي اضاف به العلم الى ايجابيات التحرر التي تصاعدت مع اندلاع حرب التحرر الوطني لفيتنام في مواجهة الولايات المتحدة في فبراير 1962 وانشاء منظمة الوحدة الافريقية في اديس ابابا في مايو 1963 وانتصار حركة الماوماو واعلان استقلال كينيا بقيادة جومو كينياتا في نوفمبر ,1963 ومظاهرات الشباب الامريكي المحتجة على تورط امريكا في حرب فيتنام, وهي المظاهرات التي تصاعدت في اكتوبر 1967 وكانت حلقة رائعة من حلقات تمرد الشباب في كل مكان من العالم اعني التمرد الذي ظهر في داخل امريكا كما ظهر في مظاهرات الطلبة في فرنسا في مايو سنة ,1968 حيث انتهى الامر بأن اطاح الطلبة المتمردون بحكم ديجول, وجعلوا العالم كله ينتبه اليهم بوصفهم قوة قادرة على الثورة الدائمة التي لا تعرقلها مصالح الكبار ومنافعهم على النحو الذي اوضحه فيلسوف مثل هربرت ماركيوز فيما كتبه عن ثورة الطلاب في الستينيات واصلا بين تمرد الطلاب في امريكا وتمردهم الذي ابرز دورهم في لفت الانتباه الى الدور الحيوي الذي قامت به احداث مايو 1968 في فرنسا, كما اظهرته قبل ذلك احداث مظاهرات الطلبة سنة 1966 في الصين, واظهرته بعد ذلك تظاهرة وودستوك التي كانت اكبر تجمع للغناء والاحتجاج في التاريخ. وقد حدثت بعد شهرين تقريبا من ثورة الطلبة في فرنسا, وعاشت معها منطقة وودستوك الامريكية ما بين 15 ـ 17 اغسطس توهجا شبابيا ابداعيا لم يحدث له مثيل في تاريخ القرن العشرين. ولكن كل هذه الاحداث الواعدة لم تستطع ان تستبقى بهجة احلامها في الذاكرة, فالنقيض لا يترك نقيضه الا لينقض عليه, حاملا من الاحباطات والكوارث ما يضيع الوعود الكثيرة لسنوات هذا العقد. هكذا شهدنا الاطاحة بحكم لومومبا ومقتله بدعم من الولايات المتحدة في يناير ,1961 واغتيال جون كنيدي الذي كان انتصارا لقوة المافيا العالمية في نوفمبر 1963ر وتبع ذلك الانقلاب العسكري في البرازيل مدعوما من الولايات المتحدة في ابريل 1964 والتدخل العسكري الامريكي في جمهورية الدومنيكان وخلع الرئيس المنتخب في ابريل ,1965 واطاحة سوهارتو بحكم سوكارنو احد قادة الحياد الايجابي مع عبدالناصر ونهرو وتيتو في يونيو ,1965 وانقلاب الثورة الثقافية في الصين الى موجة عارمة من التعصب المضاد للتعددية ابتداء من نوفمبر 1966 وهي الموجة التي تواصلت الى نهاية العقد وكان ذلك في سياق من الاحداث التي تصاعدت بتدخل القوات السوفييتية في تشيكوسلوفاكيا لانهاء ربيع براغ في ديسمبر ,1968 وهو الشهر الذي استقال فيه ديجول عقب حركات التمرد الطلابي والعمالي, تاركا مكانه للرئيس الذي اعقبه, وهو جورج بومبيدو. ويمكن ان نضيف الى ذلك كله تقديم وزير خارجية الولايات المتحدة خطة روجز لتحقيق السلام بين العرب واسرائيل في ديسمبر ,1969 وهي الخطة التي كان قبول عبدالناصر لها بداية الانشقاق العربي, وعلامة على تصاعد الهيمنة الامريكية في عمليات السلام اللاحقة ولم يكن سوى اقل من عامين بين قبول هذه الخطة وما اعقبها من طرد السادات للمستشارين والخبراء الروس, ومن ثم اعلان ان كل الاوراق في يد الولايات المتحدة التي اخذت تصعد, شيئا فشيئا, لتغدو امبراطور العالم الجديد في المكان الذي يبدل احلامه كما يبدل زواره كما يقول محمود درويش.