هذا الواقع الاقتصادي هو الذي حرك آلية عجيبة في روسيا. لقد اقتنع رجالات يلتسين بالذهاب في الاتجاه المعاكس وبدء الرحلة من اقصى الشرق الى اقصى الغرب... ورأوا في النموذج الغربي سياسياً واقتصادياً, الصورة الامثل والافضل لاعادة تشكيل الواقع الروسي في ضوء هذه المعطيات الجديدة... وضع وتفكير كان من نتائجه الطبيعية تفكك الاتحاد السوفييتي سابقاً وتحول الكل الكبير الى اجزاء صغيرة . داخل هذه الاجزاء الصغيرة, تمت اعادة صياغة التركيبة السياسية والاجتماعية وايضاً الادارية وفق النسق الذي توارثته الجمهوريات الروسية من العهد الماضي وذلك من خلال اعادة توزيع الثروة المتوفرة على قلتها ايضاً بحسب مراكز النفوذ والتوغل في مراكز القرار الروسي.. وهذه المعطيات افضت الى استبدال الهيمنة البوليسية للاجهزة المخابراتية الروسية (كي جي بي) بهيمنة اقتصادية قوية وخارقة وايضاً فاعلة. فالذين كانوا يملكون مفاتيح الحياة والموت والصعود والهبوط في حياة الانسان الروسي.. هم انفسهم الذين يملكون اليوم الارقام السرية لارقام الحسابات البنكية الخيالية التي خلفها سقوط الامبراطورية. الصورة في موسكو وفي غيرها من عواصم الاتحاد الروسي سابقاً واحدة, استمرت الهيمنة والنفوذ, وكان للمجموعة التي عززت الاحادية في الادارة السياسية والاقتصادية هي ذاتها التي تضع تصورات ومخططات التحول الى الواحد الى العدد.. ومن الاقتصاد الموجة الى الاقتصاد المحسوب. السؤال.. ما هو نصيب الانسان العادي من كامل هذه التحولات؟.. لقد تداخلت القيم في موسكو, وتهاوت كل المعالم الكبيرة وحتى المقدسة الى درجة احتدام النقاش حول الابقاء على تمثال لينين او اسقاطه, ورغم كامل هذه التضحيات الجغرافية والايديولوجية والسياسية من موسكو, الا ان لا شيء تغير في واقعها. وظلت مع ذلك صورة روسيا, لا هي بيضاء... ولا هي حمراء... بيضاء نسبة الى ثلوجها.. وحمراء نسبة الى شيوعيتها. فالروس لا هم ابقوا ماضياً لهم فيه حضورهم وهيبتهم... ولا هم صنعوا حاضراً ولا ذهبوا في اتجاه المستقبل.. وتلك هي النكبة الكبرى في حياة يلتسين وروسيا.. وهذا ايضاً حديثي القادم...