من الكلمات التي سمعتها ولا أنساها, الكلمات التي قالها حسين نديم عندما سألني: (أمازلت تصدق؟) .. تبدو لك كلمات عادية, فكل شيء في حياتنا قابل للتصديق أو التكذيب أو الشك, ولكن هذه الكلمات القليلة التي قالها صاحبي تندرج تحت باب الحوار الدرامي الذي يلخص ويكثف, فيعني الكثير بكلمات قليلة, وليس أدل على ذلك من أنني انشغلت عامين أو ثلاثة بسؤال صاحبي . وكنا قد التقينا ليلة صيف بعد غياب طويل, بالتأكيد يتابع فيه كل منا الآخر, فالكثير يجمعنا, وكنا مشاركين في ندوة واحدة, وكان المكان جميلا, فهو كرمة ابن هانئ, أو قصر أحمد شوقي أمير الشعراء, إذ كان من الممكن أن يكون للشعراء أمير, وهو قصر بديع بموقعه على شاطئ النيل, لكنه أبدع بما يحمل من ذكريات, وصعب ألا تتخيل أحمد شوقي وهو يجول في هذا المكان بقده النحيل, أظن أن قده كان نحيلا, ولا أدري من أين جاءتني هذه الصورة, وليس فينا من لم يحب أحمد شوقي, وليس فينا من ثار على أحمد شوقي, قرأته في سن القراءة الأولى مجنون ليلى ثم مصرع كليوباترا ثم بقية مسرحياته وشوقياته. وكنت أحفظ معظم ذلك قبل أن تتآكل الذاكرة ويعتب علي الأصدقاء أنني أعطيهم رقم تليفوني خطأ, ثم صرنا أعداء لأحمد شوقي لأنه كان شاعر القصر, ولأنه سب أحمد عرابي وكأنه يسب أعز الناس عندنا, ولأنه سرق الأضواء من شاعرنا المحبب حافظ إبراهيم, ثم اعتدل الميزان فرأينا في أحمد شوقي ما كان غائبا عنا. وبعد أن استمتعنا بالقصر الذي صار متحفا, تكلمنا, صديقي وأنا وآخرون, وبعدها أقاموا حفلا غنائيا بسيطا في حديقة القصر, وإذ بصديقي القديم يطلب مني أن نبتعد لأنه يريد أن يسر لي شيئا, فلما ابتعدنا عن الناس والضجة سألني في اهتمام شديد: (أمازلت تصدق؟) . ورغم إيجاز السؤال إلا أنني أدركت ما يعنيه, وأن تعاميت احتماء بغموض السؤال, ولحاجتي لأن أتيقن مما يعنيه. قال صديقي القديم: لقد كنا زمان أنا وأنت نحلم بعالم جديد تسوده الصداقة الاجتماعية, ببساطة كنا نسعى لبناء المدينة الفاضلة, وطبعا لم نكن نهتم بالمخاطر التي تقابلنا في ذلك حتى لو دخلنا السجن, أو تعرضنا لأي أضرار. بل كنا نحلم بالشهادة من أجل عالم أفضل. ولحسن الحظ لم يتعرض أحدنا للسجن, وان كنت لأنك الأحمق بت بعض الليالي في الحبس, كان هذا زمانا وولى, الآن انتهى كل ذلك, فالعدالة الاجتماعية اصبحت وهما كبيرا بسقوط الاشتراكية وغيرها من الأنظمة التي تتدخل فيها الدولة في حماية العامة من الخاصة. وضحكت أكثر من مرة أثناء حديثه, فصديقي القديم خفيف الظل لاذع العبارة. قلت له: يا صاحبي لقد آمنت بالعدالة الاجتماعية منذ طفولتي ولا أظن أن شيئا يستطيع انتزاعها من قلبي, مهما سقطت أنظمة ونظريات, وأنا لم أكن مسلما قلبي لشيء كهذا , ولا أظن أنني سأتخلى حتى آخر لحظة في حياتي عن حق الناس جميعا في التكافل الاجتماعي. وأعرف أيضا أن الكثير قد تغير, منه أنني الآن أخشى السجن على عكس ما كنا في أيام الصبا, فعندما أفتح النافذة أثناء الليل أو الفجر, وفتح النوافذ من هواياتي, أحس بالبرد الشديد, و أتذكر (قسم الوايلي) والليلة الباردة التي بتناها في الحبس البارد, وكانت قد حدثت في الجامعة أشياء أغضبتنا فاقترح أحدهم أن نذهب إلى الرئيس جمال عبد الناصر ونشكو له ما فعلته إدارة الجامعة, وتساءلنا عن عنوان الرئيس, فتطوع أحدهم بأنه يعرف البيت, وركبنا الأتوبيس من الدقي إلى منشية البكري في مصر الجديدة, وسرنا إلى البيت واستوقفنا الحرس, ودخلنا معه في مناقشات بيزنطية, انتهت في قسم الوايلي, وكانت ليلة شديدة البرودة, ولم يكن هناك ما نتغطى به, فتجمدنا حتى الصباح, ورغم صعوبة الموقف إلا أننا احتملناه في مرح شديد, وأخذنا نسخر من أنفسنا لتصورنا أن مقابلة الرئيس في هذا اليسر, وأنفجرنا ونحن نتذكر عندما سألنا قائد الحرس عما نريده من الرئيس, فقال أحد زملائنا: مالك أنت وهذا.. قل له فقط أمان ثالثة فلسفة يريد مقابلتك! وأمان هو اسم صاحبنا, وكان في الصف الثالث في قسم الفلسفة. وفي الصباح أتى لنا المحامي نبيل الهلالي, ولم يكن أحدنا يعرفه ولكننا عرفناه فيما بعد انه محامي كل السياسيين, ومن الفكاهات الشهيرة التي سمعناها فيما بعد ولا أدري مدى صحتها, أن مجموعة من اليسار أمسكوا بهم, وفي ظلمة الزنازين أرادوا أن يتعارفوا, فكان كل واحد يصيح أنا فلان ومحامي هو نبيل الهلالي , وفي النهاية صاح أحدهم: أنا نبيل الهلالي . ونبيل الهلالي - اليساري هو أبن واحد من أهم رؤساء الوزارات المثقفين هو نجيب الهلالي , ولقد اختلف فيه العارفون, بعضهم يصنفه بين ساسة الأقلية الحزبية الذين كانوا يعملون لصالح الاستعمار البريطاني, وبعضهم يصنفه بين الساسة المحترمين الذين يخدمون الوطن أو على الأقل يمارسون مهنتهم بموضوعية. على أي حال أخرجنا نبيل الهلالي إذ لم تكن تهمتنا جسيمة, وبعد أكثر من ثلاثين عاما تقابلت مع نبيل الهلالي في مناسبة ما, فقلت له أنني مدين له بإخراجي من الحبس منذ ذلك التاريخ, وفوجئت عندما بدأ يتذكر ما حدث. والمفاجأة هي أن نبيل الهلالي فعل ما فعلت آلاف المرات, ولم أكن آنئذ سوى طالب بالملامح, واحترت في ذاكرة نبيل الهلالي فترة حتى فسرت تذكره بأنه يتابعني من خلال المخرجة علوية زكي التي عملت معها في بدايات كتاباتي للتلفزيون, وهي أخت زوجته, وربما حكت له ما حكيت لها عن تلك الليلة, ولم تكن تلك الليلة هي الليلة الوحيدة من بين تلك الليالي ليلة في قسم (مصر القديمة) , وفي تلك الليلة عرفت معنى حقيقة ما كنت سأدركها لو أنني قرأت ألف كتاب في علم الاجتماع, فلقد كان (المحابيس) يتحدثون عما جاء بهم بصراحة مذهلة, وتحدث أحدهم عن سرقاته, فسألته بذهول شاب يصل إلى العشرين: هل أنت نشال؟ .. وإذا به يغضب غضبا شديدا, ويبدي احتقاره للنشال الذي يتسلل بأصابعه إلى جيبك ويسرقك دون أن تحس. أنه يستغل مهارته وغفلة الزبون, أما هو - أي اللص - فيدخل في شجاعة الأسد إلى البيت وأحيانا سكانه نائمون فيه, ويسرق ما يشاء ويحمله إلى الخارج بجسارة, أين هذا من ذلك؟ ثم كانت الثانية عندما جاء ذكر أحد معارف هؤلاء المحابيس فإذا بهم جميعا يسبونه بأقذع الكلمات, واضطررت أن أسأل, فإذا بهم يحتقرونه لأنه يتاجر في المخدرات وهو الأمر الذي يؤذي الناس! في تلك الليلة أدركت أن كل شخص لديه قدر من القيم لا يمكن أن يتخلى عنه, وأن تصورنا أن المنحرف بلا قيم هو تصور خاطئ, بل ربما زاد الأحساس ببقية القيم, فهؤلاء يقتسمون قوتهم أسر زملائهم, إذا ذهب أحدهم إلى السجن, على أي حال كل هذه تداعيات بعيدة عن إثارة صديقي القديم لسؤال (أمازلت تصدق؟) قال لي: لقد سقط عالمي كله, لم أعد أؤمن بشيء: لا الصداقة الاجتماعية ولا الوحدة العربية, ولا الانتماء للوطن ولا .. ولا .. , وإذا أردت أن أشرح لك الأسباب فأنا جاهز. قلت له يا صاحبي ما مر بك مر بنا جميعا, لكن الفرق هو الزاوية التي ينظر بها كل شيء من زاويته. أنت نظرت من زاوية ضيقة, فرأيت ما رأيت ولك كل الحق, لكن دعنا ننظر من زاوية أوسع, عندما يحدث زلزال فتلك كارثة, ولكن لو مرت عشرة أعوام عليه, فالكارثة تكون قد تلاشت, وتغلب عليها الناس. والعالم يتغير والأيام دول, والقوة القاهرة اليوم ستكون ضعفا في الغد, وهذا ما علمنا اياه التاريخ, ولو أنك جلست فوق جبل الزمن وشاهدت ما يحدث ستجد أن الدوائر تدور, وما علينا إلا أن ندفع الأمور كثيرا أو قليلا, فإن لم تستطع نكتفي بالمراهنة على ما ينفع الناس. حملق صاحبي وقال لي: يبدو أنك والعياذ بالله مازلت تصدق ! ولم ينتبه صاحبي إلا أنني شردت منه وقد وصلت إلى أذني أغنية من الحديث عن القدس والغد والأمل.