من الصعوبة بمكان ان تتورط في قرار سياسي وتكتشف بعد مرور الزمن ان القرار المتخذ كان سريعا ولم تكن له الدراسة الكافية. فالعودة الى الوراء ستكون بمثابة القرار القاسي جداً اتخاذه, والاصرار على الذهاب الى الامام, هو نوع من الانتحار المعلن مع سبق الاصرار والترصد . هذه الصورة الهادئة يمكن سحبها مباشرة على التورط الروسي في منطقة القوقاز, وواضح جداً في الايام الاخيرة ان ادارة الكرملين تبحث عن اي مخرج يضمن لها حداً ادنى من الكرامة والبريق السياسي. فالقرار بدخول في حرب جديدة بمنطقة القوقاز اتخذه رجل وصف دائماً بالمريض والمتعب بوضعه, والمتعب في قراراته السياسية, اتخذ قرار الحرب اولاً لان الذاكرة الروسية ومن بعدها العالمية مازالت تحتفظ بهزيمة ولعنة سقوط فكرة القوة العسكرية الروسية, سقوطها صغيرة ومهزومة في حرب الشيشان عام 96ر ذهب يلتسين الى اتخاذ قرار الحرب تحت ضغط رغبة شخصية, اساسها استعمال العنف لغة في التحاور السياسي, وهو استعمال فضله يلتسين في مرة سابقة عندما اختلف مع اعضاء (الدوما) الروسي, فكانت سابقة التاريخ ان تقصف الدبابات موقعاً لبرلمان ويحاصر اعضاؤه. من يومها.. والكرملين بين اخذ ورد, لا روسيا غيرت شيئاً في وضعها ولا اقتصادها حقق تقدما في الاتجاه السليم, ولا السبعة الكبار في العالم, اقتنعوا بضم روسيا الى مملكتهم, ولا روسيا قبلت بفكرة وواقع انها اصبحت دولة متعبة الواقع السياسي والاقتصادي. فالواقع الروسي.. وصياغات يلتسين له, لم تجعل منه سوى سيرة ذلك الغراب الذي اراد تقليد الحمام في طيرانه, الا ان المحاولة انتهت به الى واقع دراماتيكي.. اذ لا هو استطاع ان يخرج من جلده ويتحول الى حمام.. وعندما اقتنع بلا جدوى ذلك, اراد العودة الى طبيعته الاصلية كغراب.. الا ان ذلك لم يعد ممكنا, والخاتمة انه لا هو حقق خطوة الى الامام وصار حماماً.. ولا هو حافظ على طبيعته ونسخته الاصلية وظل غراباً. هذه هي الصورة التي يمكن سحبها على روسيا يلتسين صورة وواقعاً, فمن بروسترويكا جورباتشوف الى سياسات يلتسين.. تساقطت القلعة الروسية التي فيما يبدو لم تكن اكثر من قلعة كرتونية كبيرة الحجم وثقيلة الوزن. وتواصل التساقط الروسي, الى الحد الذي لجأت معه حكومة (بريماكوف) الى توزيع الغسالات والثلاجات على عمال القطاع الحكومي بدلاً عن رواتبهم التي عجزت الحكومة عن سدادها. وبلغ الحد مع روسيا ايضا درجة عجز معها يلتسين على دفع رواتب حرسه الرئاسي. ومع جميع هذه المتناقضات وهذه الصورة الباهتة لرجل حاكم وبلد متساقط, دخلت روسيا حرب القوقاز الحالية.. لماذا وكيف؟ هذا حديثي المقبل. محمد خليفة