لعلك تذكر كيف ان بعض الكتب الامهات في الادب العربي كانت تحيل الى تفسير ميكانيكي ـ كما قد نسميه ـ حين تحاول تصنيف اغراض الشعر العربي المختلفة بين المدح والرثاء وبين الغزل والهجاء, هنالك كان قائلهم يتوكل على الله ويشمر عن ساعد الجد والتفكير يقول : اعلم ـ يا ابن اخي ـ ان المدح هو ذكر محاسن وتعداد مناقب الممدوح ويفضل ان يكون المذكور حاكما او عينا من الاعيان او وزيرا او كاتبا لخليفة او لامير او متنفذا وجيها يعني ـ رجل اعمال ـ بيزنس بمصطلح هذه الايام. اما الرثاء فهو ذكر محاسن ومناقب الميت بطبيعة الحال, في حين ان الغزل هو في التحليل الاخير يقوم على التغني بمحاسن المحبوب وتعداد مناقبه تركيزا على مفاتنه ما بين عيون النرجس الناعسة التي تتميز بها المحبوبة وما بين شهد الرضاب الى مباسم الشفاه الى ايقاع الصوت الذي هو الى شدو البلابل اقرب ان لم يفقها جمالا لزوم التشنيف والتطريب. اما الهجاء فهو ـ اعزك الله ـ ذكر معايب الضحية, سيىء الحظ الذي يوقعه نصيبه العاثر بين براثن الشاعر الذي يرى في حكاية الهجاء هذه سوقا منصوبة لتعداد سيئات المهجو وشرشحة تاريخه وجعله مثلا بل امثولة لخلق الله لزوم شماتة الاعداء وتربص الشانئين. ورغم هذه الرؤى الميكانيكية كما وصفناها فكم من قصائد مديح ازدان بها عمود الابداع الشعري عند العرب... خاصة اذا كانت قد صدرت عن عاطفة اصيلة تجاه الممدوح ولم تصدر عن مجرد سبك للمناسبات وانشاء ديواني يبتغي فيه الشاعر نوال الممدوح وعطاءه وجوائزه. ومهما انتقدنا حكاية المديح هذه فلا شك في اعجابنا بشاعر خطير مثل المتنبي وهو يخاطب ممدوحه, هل نقول اميره وفارسه وصديقه سيف الدولة اذ وقف الامير الحمداني يستعرض اسرى الاعداء ويومها انشد المتنبي ميميته الرائعة يفتتحها بقوله: وقفت, وما في الموت شك لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الابطال كلمى هزيمةٍ ووجهك وضاح, وثغرك باسم وباب الرثاء في ادب العربية رحب شديد الاتساع ورغم انه غلبت عليه روح المجاملات او التعازي او المناسبات او الرسميات الا ان قارىء شعرنا وقف طويلا عند ابيات الخنساء الشهيرة ترثى اخاها صخرا وقد ارسلتها الشاعرة المخضرمة في اداء يستند الى تقاليد شعر الجاهليين وتشوبه فطرة البداوة او حتى سذاجتها ولكن تسوده ايضا روح الحزن الحقيقي, تماما كما يفعل ابن الرومي مع داليته الشهيرة التي يرثى بها رحيل ابن له, وايضا كما ارسل ابن الرومي نفسه بيته الذي لا ادري من اي قصيدة هو ولكن الذي ادريه انه مازال يمس شغاف قلبي (وبالمناسبة كانت تتمثل به ام كلثوم وهي تذكر في أسى اصيل وعميق رحيل عبدالناصر) والبيت يقول: لم يخلق الدمع لامرئ عبثا الله ادرى بلوعة الحزن وبالمناسبة ايضا.. كان من اصدق الرثاء في الشعر العربي الحديث ما جادت به قرائح كوكبة من شعراء العربية المعاصرين يوم رحيل عبدالناصر وفي مقدمتهم نزار والفيتوري وابو فرات ـ الجواهري, وغيرهم كثرة كاثرة, وان كانت الذاكرة مازالت تعي ـ بيقين ـ قصيدة احمد عبدالمعطي حجازى في مناسبة الرحيل بمطلعها الذي اشتهر ايامها: من يا حبيبي جاء بعد الموعد المضروب للعشاق فينا؟ وفيها يقول الشاعر مخاطبا عبدالناصر: ورأيت جارى في قطار الليل يبكي والهم في ليل المدينة وجهٌ ذكرت به مواكبك التي كانت طعام العام للفقراء, ابناء السبيل مع ذلك, لا اكتمك ـ يعلم الله ـ اننا نفتقد كثيرا قصائد الهجاء التي طالما افتن في نظمها شعراء العربية عبر عصور شتى ونحسب ان الهجاء بوصفه واحدا من فنون الابداع الشعري واحد من اصعب ابواب هذا الابداع واكثرها استعصاء شريطة ان فنهم الهجاء ـ بداهة ـ على انه ليس الشتم وبمعنى ان لا يتحول الشاعر الى مجرد شتّام او ردّاح كما يقول المصريون. في المدح تستطيع ان تصول وتجول في تعداد مآثر الممدوح ولا بأس عليك, فأعذب الشعر اكذبه كما قيل يوما. وفي الغزل والتشبيب انت ومقدرتك, وانت وعواطفك فالمشكلة مشكلتك ولا تثريب عليك ايضا ان تجعل من اميرة الاحلام افروديت اخرى من حيث الرقة وبهاء الجمال الذي لم يوصف ولا خطر على قلب بشر حتى ولو كان للدنيا كلها رأى اخر مختلف اشد الاختلاف, ألم تر الى (دون كيشوت) في رواية سرفانتس الشهيرة كان يقف تحت اسوار القلاع القروسطية ينشد اشعار التروبادور تتغنى بمآثر المادونا ـ ربة الجمال والجلال, سليلة الحسب النبيل والنسب الرفيع.. واذ تطل السليلة من فرجة القلعة القوطية, فإذا بها مجرد خادمة حولاء يتناهى من اعطافها عبير الثوم واريج البازلاء.. لكن الهجاء يحتاج في رأينا, الى موهبة فنية عالية والى اديب متمكن من ادواته الفنية في المعمار الشعري.. ولما كنا نفتقد هذا اللون في زماننا, فكم كانت سعادتنا وقد وقع بين ايدينا, كتاب دقيق الحجم ولكنه يلفت النظر بعنوانه الذي يقول: ديوان الهجاء العربي: منتخبات من التراث الشعري. واضع هذا المصنف مثقف عربي كبير سمعنا به ايام كنا نقيم في العاصمة اللبنانية بيروت وهو المرحوم هادى العلوي الذي تناهت الينا سمعته كمثقف ملتزم من خلال اصدقائه وتلاميذه ومريديه اذ كان يعيش شبه شريد وشبه منفي.. وقد احسن صاحب المصنف حين صّدر الديوان بعبارات غاية في الابانة والتركيز قال فيها: الهجاء فن ادبي اصيل, يختلف عن معظم فنون الشعر الاخرى في كونه يصدر عن الذات الشاعرة, غير متأثرة باعتبارات المصانعة او المصلحة وغالبا ما يكون ثمرة معاناة شخصية تتحدد في معزل عن عوامل الضغط في المجتمع او المعشر (الاسرة, القبيلة, الجوار, الفريج... الخ) او الدولة مما قد يعني في حد ذاته قدرا من المجابهة تضاعف من ذاتيته وبالتالي من حيويته بوصفه فنا.. وكان هادي العلوي يترجم بالنثر رأي الشاعر الذي يقول: وقالوا في الهجاء عليك اثم وليس الاثم الا في المديح لاني ان مدحت مدحت زورا واهجو, حين اهجو, بالصحيح نحن اذن امام مائدة حافلة تحوي (أطايب) فن الهجاء ارسلته قرائح شعراء فطاحل معروفين واحيانا شعراء بسطاء مقلّين او مغمورين.. وقد نتصور ان نجعل لك ولنا ايضا نصيبا من هذه المائدة, فإلى حديث الاثنين المقبل بمشيئة الرحمن.