ترى.. كم يمثل الوهم في حياتنا وكم تمثل الحقيقة؟ والى اي مدى يمكن ان ينجح باعة الوهم في تسويق بضاعتهم لدينا بعد ان قطعنا شأوا بعيدا في طريق العلم والمعرفة وقضينا على كثير من بؤر الجهل والتخلف؟ وهل لذلك علاقة بالعلم والجهل ام هي طبيعة النفس البشرية ؟ مجموعة من الاسئلة تبادرت الى ذهني وانا اشاهد في احدى القنوات الفضائية العربية الخاصة التي تبث من اوروبا برنامجا يقدمه احد المنجمين وقراء الكف المشهورين وان كان قد اطلق على نفسه وصف (العالم الفلكي) ربما في محاولة للخروج من دائرة التنجيم.. ذلك هو السيد الالوسي, الوجه المألوف الذي ما فتئت صوره واعلاناته تطالعنا في المجلات الفنية منذ ان وعينا على القراءة, لا ينافسه في ذلك سوى قارئة الكف والفنجان الشهيرة الدكتورة امل الشهيرة بأم عصام والتي تطلق على نفسها هي الاخرى لقب (العالمة الفلكية) رئيسة اتحاد الفلكيين العرب, وتقول في الاعلان عن مؤهلاتها ومواهبها انها عالمة في ضرب الرمل وكشف الاسرار والطب العربي وفك السحر وجلب الغائب وفك المربوط. يجلس السيد الالوسي وهو لايكاد يظهر من خلف الطاولة واضعا امامه بلورته المشهورة ليكشف لنا ـ كما يقول ـ الجديد وما تكتنفه النجوم عن اسرار حياة كل منا وتوقعات المستقبل, ويطلعنا على الكثير من المفاجآت السارة التي يحملها القرن الجديد وكيفية درء المخاطر, اما اكبر مفاجآته فهو خاتم الحظ لسنة 2000 الذي يحتوي حجرا من الاحجار الكريمة يجنبنا اخطار الحسد والعين الشريرة, وما على من يرغب في الحصول على هذا الخاتم الذي سيفتح له ابواب الحظ ويجعله يغرف من كنوز السعادة سوى الاتصال به على الهاتف المذكور. وما ان تبدأ الحلقة حتى تنهال عليه الاتصالات من ذوي النفوس المعذبة الباحثة عن الخلاص من مشاكلها العاطفية والعائلية والمالية والدراسية.. وربما وجد حلولا لمشاكلنا السياسية ايضا طالما انه يملك مفاتيح الحلول وخواتم الحظوظ السعيدة وخلال الدقائق القليلة التي شاهدتها من هذا البرنامج ـ اذ لم احتمل متابعة سخف كهذا ـ لم اصدق انه مازال بيننا من يفكر بهذه الطريقة ويؤمن بما يقوله هؤلاء الدجالون ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية. تتصل به مشاهدة من المانيا يبدو من لهجتها انها من احدى دول المغرب العربي فتشكو له ما تعاني من ضيق وقلق واكتئاب فيسألها عن عمر والدتها ـ ولا ادري ما علاقة ذلك بحالتها ـ فتذكر له عمرها, ثم يطلب منها ان تركز معه وهو ينظر في بلورته المسحورة مغمضا عينيه صامتا, وبعد ذلك يخرج من تحت الطاولة ثلاث شمعات ملونة طالبا منها ان توقدها في الليل وتعاود الاتصال به في الاسبوع المقبل ليتابع حالتها ويوجهها الى العلاج المناسب. وهكذا تتوالى الاتصالات من شتى انحاء المعمورة, رجال ونساء يطلبون النصح والمشورة ومعرفة طوالعهم وسبل الخروج من مشاكلهم, وصاحبنا (العالم الفلكي) ينظر في بلورته السحرية ويرفع شمعاته الثلاث في مشهد تمثيلي يعيدنا الى مسلسلات الاطفال القديمة وافلام اسماعيل ياسين في اواخر الخمسينيات و(شمهورش) و(الابريق المكسور) و(بدر الزمان) . عن نفسي.. ليس لدي تفسير لما يقوم به هؤلاء, ولكنني اعجب من تهافت الناس عليهم وسعيهم الى حل مشاكلهم بهذه الطرق البعيدة عن الواقع, وان كنت اعترف بأنني قد قابلت بعضا منهم ورأيت ما يبعث على الدهشة والتعجب, فقد زارني ذات مرة صديق وبرفقته واحد من هؤلاء كان في زيارة للدولة بدعوة من شخصية كبيرة, وارانا قدرات عجيبة جعلتني اتساءل ان كان ما يقوم به سحرا ام خفة يد أم هو شيء آخر لم يصل اليه علمي بالتأكيد, فقد طلب مني ومن الموجودين في تلك الجلسة ـ وكنا ثلاثة اشخاص ـ ان يقوم كل واحد منا بعد ان يخرج هو من الغرفة بكتابة اي سؤال يخطر بباله على ورقة صغيرة, ثم نقوم بتطبيق الورقة والاحتفاظ بها في ايدينا اليمنى مطبقين عليها بأصابعنا الخمسة, وغادر الغرفة ليعود الينا بعد دقائق قليلة طالبا من كل واحد منا على التوالي ان يضع يده المطبقة على الورقة على جبهته لثوان قليلة يغمض خلالها عينيه, ثم طلب منا ان نفتح الاوراق التي في ايدينا, وقد كانت دهشتنا كبيرة عندما وجدنا الاجوبة مكتوبة في نفس الاوراق التي لم تغادر ايدينا المطبقة عليها اطلاقا بالاضافة الى اسم والدة كل واحد منا كاملا علما بأن الاسئلة كانت عن امور شخصية خاصة بل بالغة الخصوصية, ووسط دهشتنا وتعجبنا مما نرى استأذن في الانصراف فقد كان مرتبطا بموعد آخر اذ ان الطلب عليه كان كبيرا, ولولا معزة الصديق الذي احضره ومكانته لديه لما ضيع وقته الثمين معنا, على اننا لم نكن في الواقع من زبائنه ولم نسع اليه, وانما وضعتنا في طريقه الصدفة ورغبة الصديق في اطلاعنا على قدراته الخارقة, وان كنت اقر هنا ـ ومعي الاخوة الذين عاشوا التجربة ـ ان اجاباته كانت دقيقة ومركزة وقد اثبتت الايام بعد ذلك صحتها لا اقول ذلك من باب الدعاية والترويج لامثال هؤلاء وما يقومون به, ولكنني اتساءل عن مدى الارتباط بين تقدم العلوم وايمان الناس بمثل هذه الاشياء واقبالهم عليها, فاليابانيون مثلا وهم على ماهم عليه من تقدم علمي ونهضة صناعية تسبب صداعا مزمنا للغرب انشغلوا في النصف الاول من عام 1999 بالحديث عن نوستراداموس عالم الفلك الفرنسي الذي عاش في القرن السادس عشر والذي يعتقد اتباعه بأن العالم سينتهي قبل نهاية الالفية الثانية, وقد استحوذ الحديث عن احتمال ان تقوم القيامة قبل الالفية الثالثة على مخيلة ملايين اليابانيين وادى الى فورة في مبيعات الكتب التي تحمل تنبؤات نوستراداموس القائلة بأن ملكا عظيما اسمه انجولمويس سيأتي الى الارض في يوليو من عام 1999, وان هذا يعني ان المعركة الفاصلة الكبرى بين قوى الخير والشر قد باتت وشيكة, وهو اعتقاد اصبح شائعا في اليابان اثبتت ذلك دراسة اجرتها جامعة كوكوجاكوين حيث اظهرت ان حوالي 20 بالمئة من طلاب الكليات والجامعات اليابانية يصدقون تنبؤات نوستراداموس الى حد ما. اما معهد اليابان للمطبوعات فقد قال ان 31 كتابا لها علاقة بهذا العراف قد نشرت في اليابان منذ عام 1998, وقد صدرت عشرة من تلك الكتب منذ يناير 1999 حيث تهافتت دور النشر على اصدار كتب جديدة ذات صلة بالموضوع قبل انتهاء المهلة وحلول الموعد المحدد لنهاية العالم وهو شهر يوليو من عام 1999ر اما كتاب (تنبؤات نوستراداموس العظيمة: اندثار الجنس البشري عام 1999) الذي ألفه تسوتوموجوتو عام 1974 فقد بيع منه 2ر5 مليون نسخة ولم يفوت سيشيرونيشيمو الذي يدير الشركة الوحيدة للملاجىء الواقية من القنابل في اوساكا فرصة خوف اليابانيين من اقتراب يوم القيامة فانطلق يروج لبضاعته البالغ ثمن الواحد منها 82000 دولار. ومع ذلك فقد مر الموعد الذي حدده نوستراداموس لانتهاء العالم حسب تنبؤاته دون ان تصدق هذه التنبؤات او يتحقق شيء منها, فهل يكون ذلك حافزا لنا كي نطهر شاشاتنا واجهزة اعلامنا من باعة الوهم وادعياء علم ضرب الرمل وكشف الاسرار وفك المربوط بعد ان كذبت تنبؤات كبيرهم الذي علمهم السحر؟ فيقينا انه لا يعلم الغيب سوى علام الغيوب, اما هؤلاء الدجالون الادعياء فسيظلون يبيعون بضاعتهم لضعاف الايمان فقط طالما وجدوا من يروج لها من ضعاف النفوس الساعين الى جذب الزبون ـ قارئا او مستمعا او مشاهدا ـ لبضاعتهم بأي وسيلة لا لشيء سوى انهم لا يحملون رسالة سامية ولا يسعون الى غايات نبيلة وقديما قالوا: (ان نبل الغاية من نبل الوسيلة) .