لم يكن مفاجئا بالنسبة لاصدقاء شيراك ولا بالنسبة للمتخصصين في الشأن الفرنسي ان يعلن رئيس فرنسا جاك شيراك بمناسبة عيد الفطر المبارك انشاء مجلس اعلى للديانة الاسلامية في فرنسا ويسند مهمة الاشراف عليه إلى أحد ابرز رجالات حكومته واحد ابرز رجالات الدولة الحديثة في فرنسا الا وهو (شوفنمانو) وزير الداخلية الحالي. الامر ليس مفاجئا, بالنظر إلى صداقة شيراك التاريخية مع العرب ومناصرته الدائمة لقضايا الشأن العربي, لقد احتفظ شيراك بذلك الخط الرفيع والرهيف في النظر إلى الانسان العربي وقضاياه المتعددة لاعتبار ان النصف الاول من القرن الماضي, كان بالنسبة للانسان العربي هو زمن ثورات التحرير والتحرر, ولاعتبار ان النصف الثاني كان زمناً للبناء واعادة تشكيل صورة الاوطان لما بعد الاستقلال. شيراك هو واحد من السياسيين الفرنسيين الذين عاصروا هذه التحولات العربية بكامل تفاصيلها المؤلمة والمحرقة ايضا, لاعتبار انها تحولات كانت دائما دموية. وليس غريبا ان يحتفظ شيراك بهذا الود بالنظر ايضا إلى كونه احد مواليد مدينة مكناس المغربية, فهو مغربي بالميلاد, وليس غريبا ان يحتفظ شيراك بهذا الامتداد العاطفي تجاه المغرب, خاصة من خلال اصرار زوجته مدام شيراك على شراء بيت للعائلة في مكناس المغربية حيث تفضل العائلة قضاء عطلتها السنوية. هذه الخلفية الشخصية في حياة شيراك الانسان, هي التي تصنع هذه المواقف المفاجئة بالنسبة للواقع الغربي, والذي وقع بمناسبة عيد الفطر المبارك باستقبال شيراك لرموز الجالية المسلمة في باريس وبقية مدن فرنسا والتأكيد لهم في حضورهم على أن رغبة السيد الرئيس هي ان يساعدوه جميعا في جعل الاسلام دينا لفرنسا, وهو موقف صريح ابداه شيراك. وطبيعي ان يكون التساؤل كيف يحدث ذلك؟ يحدث ذلك في التصور الذي قدمه شيراك بأن يختار أئمة الاسلام في فرنسا أئمة فرنسيين يجيدون اللغة الفرنسية لغرض ايصال هذه القيم الإسلامية إلى المتلقي الفرنسي, لقد استقبل شيراك هؤلاء الأئمة, في مكتبه ولمدة ساعة كاملة بعد ان أوكل ملف الاسلام وواقع الجالية المسلمة في فرنسا إلى وزير داخليته (شوفنمانو) وعبر عن اعتقاده ان الرجل حمل هذه المهمة الشاقة. أما لماذا تأخر موقف شيراك حتى اليوم, ولماذا استجاب في هذه الفترة تحديداً؟ فهذا حديثي المقبل. محمد خليفة