الجمعة صباحا نعبر المتوسط, في الطريق إلى باريس تحلق الطائرة معظم المسافة فوق البحر, عندما نقلع من منطقة القاهرة أتطلع عبر النافذة المستديرة إلى الأرض, أكاد أحفظ الملامح, النيل بفرعيه علامة أساسية, مدن الدلتا التي تزداد اتساعا وتقاربا, يبدأ شعوري بمفارقة الوطن عند ظهور شاطئ الإسكندرية, حد فاصل بين اليابسة والبحر , بين الأرض والماء, أحاول اللحاق بالنظر أقصى ما يمكن إدراكه ورؤيته من الساحل الشمالي إلى الممتد نحو الغرب. ساعة تقريبا ونحلق فوق جزيرة كريت, علامة فارقة في المسارات المؤدية, نستمر فوق البحر, الطيران فوق البحر يقلقني, ربما لأنني لا أجيد العوم, بل أنني لا أعرف السباحة, عند بدء الطيران فوق البر أصبح أكثر اطمئنانا, أسخر من نفسي, كأنه لو حدث مكروه لا قدر الله ستكون هناك فرصة للنجاة فوق الأرض, أما في البحر فالمشكلة الوحيدة هي عدم معرفتي بالعوم؟ ما بين الساحل الإيطالي, وجزيرة صقلية, قال الطيار أن ما نراه من دخان أبيض هو بركان في حالة نشاط, كانت سحب الدخان الأبيض المتصاعد عالقة فوق المرتفع, كأنها قطع هائلة من الثلج المعلق, ما يدل على وجود النيران بأسفل, يبدو لنا ثلجي الهيئة والقوام من بعيد. الجمعة سيت إلى الجنوب الفرنسي مرة أخرى, لكن الظروف مختلفة, هكذا يختلف الحال حتى لو كانت العودة إلى نفس المكان, وألتقينا نفس الأشخاص, من باريس أقلعت الطائرة الصغيرة عبر ألوان كونية نادرة, إلى يمين الطائرة وهج ذهبي مشوب بحمرة يدل على الشمس الغاربة, غيوم قاتمة تنبئ بليل قادم, وإلى أسفل غيوم بيضاء أقل ارتفاعا, في المرة السابقة العام الماضي جئت مع أدوار الخراط, نزلنا مطار مونبليه, في هذه المرة أجيىء مع محمد سلماوي, لكن نزلنا مطارا صغيرا اسمه بيزيريه في مدينة أجد, تدثرنا بمعاطفنا وأغطية الرأس, لكن البرد كان محتملا, جاءت مدام آنيت المشرفة على النشاط الثقافي في مدينة أجد وهي سيدة نشيطة جدا, تصاحبها طالبة تونسية تقيم في فرنسا, جاءت إلى القاهرة وأتقنت فيها اللغة العربية. لآنيت ابتسامة بريئة فيها دهشة دائمة, سررت لأنني رأيتها مرة أخرى, في السنوات الأخيرة تنتابني حالة من التفاؤل عندما أبلغ أرضا نزلتها من قبل, قالت اننا سنقيم لمدة يومين في مدينة (سيت) , مجاورة لأجد, وتبعد عن مونبليه حوالي عشرين كيلو مترا, تعداد سكانها أربعون ألفا, أما أجد فيسكنها عشرون ألفا, ومونبليه مائتا ألف. كان الليل مكتملا عندما وصلنا إلى المدينة التي شقتها قناة متفرعة من البحر الأبيض, تقف فيها سفن الصيد, شيدت في القرن السابع عشر, ومن أهم الشخصيات التي عاشت فيها الشاعر الفرنسي بول فاليري, ولد وعاش ودفن فيها, أضافت إلى هذه المعلومة ألفة وحميمة, الأماكن مثل البشر, خاصة المدن, بعضها ينفذ بسرعة إلى الوجدان, ومنها ما يستعصى, يرقد بولفاليري في مقبرة تطل على البحر, معظمها للأثرياء, وتوجد مقبرة أخرى للفقراء بالجبل, الجبل الذي يمنح المدينة شكل السمكة عند الأقتراب منها, ثمة سبب آخر لتآلفي معها, أنها القناة نفسها التي ذكرتني بخور الشارقة و دبي, حيث المراكب الشراعية لاتزال تنقل البضائع من الهند إلى الإمارات والعكس, إنها القوارب في الشارع, بمحاذاة الرصيف, أطل عليها من نافذة الفندق العتيق الذي نزلنا فيه, دائما عندما أخرج من بيتي قاصدا السفر أسأل نفسي, في أي غرفة سأنام؟ ما شكلها؟ وعلى أي منظر تطل؟ فندق قديم, مرتفع الأسقف, يفوح بالعتاقة, مكون من طابقين فقط, أفضل هذه الفنادق الصغيرة التي تفيض بأنفاس ولت لمن عبروها, السيدة العجوز في مكتب الاستقبال قدمت إلينا مفتاحا من الطراز القديم, قالت إنها تنام ولن يفتح أحد, لذلك يجب الاحتفاظ به إلى حين عودتنا, ونحن نتجه إلى الغرف , سألت الصديق محمد سلماوي عن رقم غرفته, ربما شعرت بتعب ما, فأجد العون منه, بدلا من الانقطاع التام عن الالم في مدينة صغيرة جميلة, لكنني غريب فيها تماما. السبت صباحا فاليري رساما عبرنا القناة متجهين إلى أعلى الجبل, في الطريق الصاعد مررنا بقلعة عتيقة, عمارة حربية من القرن السابع عشر, تحولت الآن إلى مركز ثقافي, لم يفكر أحد في تحويلها إلى فندق من خمسين أو ستين غرفة, إذا فكر أحد هنا في استغلال الأماكن القديمة فليس هناك إلا النشاط الثقافي. بالقرب من القلعة المقبرة, أضرحة وشواهد من الرخام, تماثيل, الموتى يطلون على البحر الأبيض, المدينة تواجه البحر الممتد بموتاها, في الجهة الأخرى من الجبل مقبرة لكن للفقراء يرقد فيها موسيقار ومغن شهير أسمه (ساراس) , كان ينشد أشعار فاليري وأرجوان, هنا في المقبرة الانيقة يرقد بول فاليري الذي عاش في المدينة وعشق البحر, تذكرت مقابر أخرى زرتها وبدا فيها التميز واضحا, مقابر السعديين في مراكش, حيث مراقد الملوك تحيط بها مقابر الحاشية تتدرج في المستوى, مقابر أجدادنا المصريين القدماء. متحف بول فاليري يطل على المقبرة, حديث مكون من طابقين, به لوحات بعض الفنانين الذين عاشوا وتأثروا بالمنطقة, نماذج للمراكب وسفن الصيد المستخدمة في البحر, الطابق الثاني مخصص لبول فاليري, طبعات كتبه, ترجمات أشعاره, عدا العربية, أوراق بخطه, لكن المفاجأة كانت رسوماته, كان يرسم قصائده, وبعض المشاهد التي تعبر عن رؤيته, كان مبدعا في رسم الأنثى, بدا ولعه واضحا بالمرأة, لم يكن شاعرا بالكلمات, إنما بالريشة أيضا, وبدا شاعرا أيضا في رقدته الأبدية, في ثرى ذلك التل المرتفع المطل على البحر الأبيض, على الزرقة والغمام. الاثنين فناك وصلنا مبكرين قبل موعد الندوة المخصصة لأدب (نجيب محفوظ) بساعة, قصر الندوة في مكتبة (فناك) , فرع مدينة مونبليه, تنتشر فروع هذه المؤسسة في جميع المدن الفرنسية, فرع مونبليه في حجم المقر الرئيسي لعمر أفندي بالقاهرة, يعرض كل ما يتعلق بالثقافة, الكتب, الأسطوانات, الأفلام, أجهزة الحواسب الآلية, الهواتف النقالة, المكاتب, المكتبات المنزلية, في قسم الموسيقى أقسام, قسم للموسيقى الكلاسيك, آخر لموسيقى البوب, ثم موسيقى الشعوب, أتوقف عند الموسيقى العربية , بعض الأسطوانات المعروضة هنا لا توجد في العالم العربي الأغاني المصرية في بداية القرن جمعها باحث فرنسي وقام بتنظيف الأسطوانات وإعادة طبعها على أقراص سي دي وتحقق مبيعات مرتفعة الآن, كل المطربين العرب معروضين في (الفناك) , القدامى والمحدثين, من عبد اللطيف البنا إلى عمرو دياب, كذلك الأمر في قسم الموسيقى الفارسية والتركية التي أهيم بها وأصغي إليها, أيضا الموسيقى الأندلسية بأنواعها, أي نوع من موسيقى الإنسانية يمكن أن تجده هنا, في باريس فروع أضخم, والفرع المخصص للموسيقى في شارع الشانزليزيه تبلغ مساحته أكثر من ميدان العتبة, أما الكتب فيمكن الحصول على أي كتاب جديد أو قديم, ليس في (الفناك) فقط, ولكن في أي مكتبة في أي قرية, كنا في مدينة صغيرة أسمها فرونتير, تعداد سكانها سبعة آ لاف نسمة, دخلنا إلى مكتبة صغيرة نسبيا, سألت عن أحد كتب الفيلسوف الفرنسي بلاشير, وهو متخصص في الكتابة عن ظواهر الحياة بشكل شاعري عميق, وطويل التأمل, قرأت له كتابا جميلا عن المكان مترجما إلى العربية, ورغبت في إحضار كتاب له عن الاحلام لأسلمه إلى زميلنا أيمن عبد الهادي الذي يقوم ويتابع الثقافة الفرنسية في أخبار الأدب, ليترجمه فيقرأه الناس وأنا من بينهم طبعا. سألت السيدة عن اسم المؤلف, وكرره صديقي محمد سلماوي الذي يتقن الفرنسية , عندئذ بدأت تكتبه على الحاسب الآلي, انتظرت قليلا, هزت رأسها, قامت لتنزل إلى الطابق ا لأسفل تحت الأرض, عادت ومعها نسخة من الكتاب, لو أن الكتاب غير موجود تتصل بمكتبات أخرى لتحضره, أي كتاب قديم أو جديد, ثمة دور نشر تتولى طباعة الإرث الثقافي وهذا بعيدا عن أي دعم من الدولة أو أي جهة رسمية, حركة منتظمة يكفلها المجتمع نفسه الذي تعد الثقافة جزءا أ ساسيا من مكوناته, في المقابل كنت أفكر في أوضاعنا نحن, بعض كبار أدبائنا من الصعب الحصول على مؤلفاتهم الآن في سوق النشر, بعض المطبوعات في مصر أصبح الحصول عليها أصعب من الحصول على المخطوطات, المخطوط موجود في مكتبة عامة يمكن تصويره أو البحث عنه, أما الكتاب المطبوع فأنه يختفي إن لم يجد من يعيد طبعه.