بعد ان انتهى القرن العشرون, ودخلنا الى القرن الحادي والعشرين بالفعل, وقرأت الكثير الذي كتب عن هذا القرن خلال الاسابيع الماضية, والادق منذ العام الماضي, وتابعت اللهاث الصحافي المحموم في رصد علامات القرن المنصرم, وقرأت اكثر من كتاب عن علامات ذلك القرن وايقوناته, وراقبت اللعبة المكررة التي تلعبها الصحافة الثقافية كل عام, عندما تسلط على المرء من صغار المحررين او المحررات من يطاردونه تليفونيا بالاسئلة الساذجة عن ابرز الاعمال : هل بقى شيء لم يقل؟ الطريف ان الاجابة جاءت بالايجاب وتداعت الاسئلة الى ذهني عن المعلومات التي كان ينبغي ان نقرأها عن القرن العشرين ولم نقرأها, وعن الاحداث التي مضت فيه دون ان نتنبه اليها, وحتى عن الشخصيات التي ضاعت في تتابع عقوده فلم نلتفت الى وجودها, خصوصا بعد ان سحب غيرها عنها الضوء فلم تجد سوى عتمة النسيان التي انزوت فيها. والواقع ان عتمة النسيان هذه هي التي تؤرقني منذ ان بدأت الذاكرة تزدحم بما اختزنت, وتكتظ بما لم تعد تحتمله, فلجأت الى حيلتها القديمة التي تشبه حيلة السفينة التي تسقط عنها بعض الحمولة لتتخفف من الثقل الذي يعوقها عن مواجهة الانواء والأعاصير. ولكن الفرق بين السفينة والذاكرة ان الثانية لا تضيع شىئا الى الابد, ولا تلقى بما يفيض عن حملها الى العدم وانما تبعده الى حيث يظل باقيا منتظرا من يعيد اليه الحياة, ويسقط عليه الضوء, فيفارق مواطن النسيان الى مواطن التذكر, ولولا هذه الموهبة التي تتمتع بها الذاكرة ما احتملت تحولات التجدد وتغيرات الوعي, وتقلبات المصائر, فاحيانا يكون النسيان نعمة للانسان, على الاقل حين يبعده هذا النسيان عن شعور قاتل بكارثة عاناها او بفقد عزيز كان يتصور ان الحياة لا يمكن ان تمضي دونه او بصدمة اكتشاف حقيقة من كنا نحسبهم اقرب إلينا من حبل الوريد, فإذا بهم أبعد من الثريا عن الثرى, وما أكثر ما يتحول النسيان في مثل هذه الحالات إلى وسيلة للحماية أو الوقاية أو الخلاص, والأطرف أنه يغدو لعبة نفسية أحيانا, ولعبة لها أسرارها التي كشف عنها الناقد والروائي المغربي اللامع محمد برادة في واحدة من رواياته اللافتة, وهي رواية (لعبة النسيان) . ولعل أمتع المراجعات التي قرأتها بالعربية ولا أزال أقرأها عن القرن العشرين, من المنظور الخاص بمقاومة النسيان, سلسلة (حصاد الذاكرة) التي يعدها الصديق ابراهيم العريس في جريدة (الحياة) والتي ينشرها أسبوعيا منذ مطلع القرن, وجعلها في عشر حلقات تتناول كل حلقة عقدا من عقود القرن المنصرم, يتتبع فيها أهم الاحداث وأبرز العلامات وحياة أبرز الشخصيات, ويصدِّر كل حلقة بما يشبه ان يكون إبرازا للملامح الأساسية الدالة على العقد, ويردف ذلك بحوليات موجزة عن الأحداث المتعاقبة, والواقع ان هذا الملحق الخاص الذي تواصل جريدة (الحياة) نشره بالغ الأهمية لأنه يبعث في الذاكرة ما نسيته بالفعل أو بالقوة, ويضع الوعي في مواجهة تتابع عقود القرن بل تتابع سنوات كل عقد , فتستيقظ ذاكرة القارئ, ويتداعى منها ما يضيف إلى المقروء الخاص من الذكريات والمعلومات والمعارف والمعاني والدلالات بل الانطباعات والأحداث الذاتية التي كادت تمحى, أو التي نسيها هذا القارئ في غمرة الأحداث أو وطأة التحولات المتدافعة. أنا شخصيا جذبني عقد الخمسينيات إليه على نحو خاص بالقياس إلى العقود السابقة عليه, والسبب ذاتي جدا, يرتبط بأنه العقد الذي بدأت أعي فيه ما حولي, وأنتبه انتباه الصبا الباكر إلى ما يقع في العالم الواسع الذي أعيش فيه, لكن سرعان ما انتبهت إلى كثرة الوقائع والأحداث والشخصيات التي أفلتتها الذاكرة, والتي لم يكن الوعي قد اكتمل بعد ليدرك مغزاها. مؤكد انني أذكر إلى اليوم ذلك المساء المشحون الذي قام فيه جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو سنة 1956, فقد كنت مع أبي نستمع إلى عبدالناصر نفسه في ميدان المنشية بمدينة الاسكندرية التي انتسب إليها من ناحية الأب. ومؤكد كذلك انني ما زلت أذكر العدوان الثلاثي على مصر بعد التأميم, فقد ذهب زوج أختى إلى القناة متطوعا للدفاع عنها, وما زلت أذكر الاستجابات القومية العظيمة التي انفجرت على امتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج, ولا أحسبني نسيت فبراير 1958 وهو الشهر الذي اعلنت فيه الوحدة بين مصر وسوريا املا في تحقيق حلم الوحدة العربية الكبرى, وانبهاري وانا ارى الجماهير السورية تحمل السيارة التي كان يركبها عبدالناصر, فادرك الوضع القومي الاستثنائي الذي احتله هذا القائد العظيم في وجدان الامة العربية كلها, واذكر كذلك, في السنة نفسها, وفي شهر يوليو, ثورة العراق التي قتلت الملك فيصل, وقيام الجمهورية العراقية الذي اصبح بشارة جديدة باقتراب حلم الوحدة الكبرى. كل ذلك اذكره كما اذكر الرعب الذي أخذ يفترش ملامح وجوه الذين يكبرونني في العمر من كبار الاصدقاء المثقفين للأسرة, في الشهر الاول من عام 1959, وكان ذلك عندما قام عبدالناصر بحملته ضد الشيوعيين في مصر, وللأسف في عنف لم استطع ان افهمه, ربما لأنني كنت في الخامسة عشرة من العمر, ولكنني شعرت ببشاعة معناه من الجمل المقتضبة, والنظرات المتوترة, وغياب بعض الذين تعودت الاستماع الى كلامهم والاعجاب بمقالاتهم في الصحف التي كنت قد بدأت في قراءتها. واظن انني استمعت, عندئذ, الى ما قاله الكبار من معارفي عن حملة الاعتقالات التي حدثت سنة 1954, والتي بدأت بالقبض على الاخوان المسلمين, وهو الامر الذي تكرر قرب منتصف الستينيات, وعن السجون التي اخذت تنفتح, والتعذيب الذي اخذ ينتشر, والكوارث التي صحبت ذلك كله, ولطخت التجربة الناصرية العظيمة بما ينقض شعار الديمقراطية التي رفعته. لكن المؤكد انني لم اكن اعي ذلك كله وعيا واضحا في ذلك الزمن البعيد, وان ما اكتبه الان ليس سوى ما انتهيت اليه من رأي اكتمل بعد مضي الاحداث نفسها بسنوات وسنوات, وبعد ان اتيح لي من نضج الوعي ما جعلني اعرف ما لم اكن اعرفه حين ذاك, بل ما غاب عني الكثير منه. وما انا على يقين منه, الآن, هو ان الذاكرة قد تخففت من الكثير الذي عرض لها في هذه السنوات البعيدة من الخمسينيات, خصوصا ما كان يقع من احداث لم يكن لها تأثير مباشر على حياتي او حياة الذين التصقت بهم وشاركتهم علاقات التأثير والتأثر. ولذلك عندما احاول ان اختبر ذاكرتي, واسترجع من احداث سنوات عقد الخمسينيات ما احسبني قادرا عليه, اكتشف ان ذاكرتي لا تحمل ذكريات واضحة الا ابتداء من عام 1956, وهو العام الذي اكملت معه عامي الثاني عشر, اما قبل ذلك من تفاقم الحرب الكورية, والتفجير التجريبي للقنبلة الهيدروجينية الامريكية, وتصاعد أزمة النفط بين ايران وبريطانيا. او توقيع اتفاقية سلام بين طوكيو وواشنطن, أو حريق القاهرة, ثم انقلاب اديب الشيشكلي في سوريا, كل تلك الاحداث لا اذكرها من سنوات النصف الاول من عقد الخسمينيات, ولا اظن ان ذاكرتي تحتفظ بشيء عنها, والسبب بسيط هو انني كنت لم اجاوز السابعة من عمري, لا أعرف شيئا ذا بال عن دوامات العالم من حولي. ولا اظنني بالقدر نفسه اتذكر بوضوح قيام ثورة 1952 في مصر, أو جلاء الاحتلال البريطاني عن مصر سنة 1954, أو الاتفاق السعودي المصري السوري ضد حلف بغداد, أو حتى المؤتمر الافرو ـ آسيوي في باندونج 1955, فلا شيء من هذه الاحداث استطيع ان استرجعه واضحا, الآن, في ذاكرتي. واذا استثنيت بعض الذكريات الغامضة الخاصة بسقوط الملك فاروق, وتنازله عن العرش ورحيله عن مصر في اليخت الشهير المحروسة, وهو ما ظللت اشاهده في السينما كثيرا بفضل ما كان يسمى في ذلك الوقت جريدة مصر الناطقة, اقول اذا استثنيت الذكريات الباهتة عن هذه الاحداث, لا يبقى سوى عام 1956 الذي كان بداية الوعي الحقيقي, وبداية اتساع الذاكرة الخاصة للفرد لتغدو مرتبطة بالذاكرة العامة للأمة وأمانيها الوطنية والقومية. ومع ذلك فلا أظنني اذكر الكثير من الاحداث القومية والعالمية التي حدثت منذ سنة 1956 الى نهاية عقد الستينيات, فأنا مثلا لا أتذكر شيئا على الاطلاق عن الانتفاضة العنصرية في ولاية آلاباما الامريكية في فبراير 1956, أو المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي في الشهر نفسه, او اطلاق ماوتسي تونج لشعار (دع مائة زهرة تتفتح) ولا حتى دخول اليابان الى الامم المتحدة في نهاية 1956, وأكرر الملاحظة نفسها الى عام 1960, حيث تنزوي في عتمة الذاكرة احداث اعادة العلاقات بين موسكو وهافانا في شهر فبراير, والانقلاب العسكري في تركيا, وقضية طائرة التجسس بين موسكو وواشنطن في شهر مايو, واعلان استقلال الصومال في شهر يوليو, أو اعلان ديجول عن الاستفتاء حول الجزائر في شهر نوفمبر. وعندما أسأل نفسي: لماذا لا اتذكر هذه الاحداث التي لا شك انني قرأت عنها, وسمعت من حولي يتجادلون حولها, ويختلفون فيها بالرأي, اجد ان الذاكرة قد مارست لعبة النسيان. وقامت بعملية انتخاب ذاتي, فاستبعدت الأقل أهمية من وجهة نظر رؤية العالم الشخصية التي ارتبطت بها, واستبقت ما تصورته في ذلك الوقت البعيد داخلا في صنف الاحداث الحاسمة, ولذلك أتذكر اعمال عبدالناصر جيدا في النصف الثاني من الخمسينيات, ولا أتذكر الاحداث التي ترتبت على موت ستالين في مارس سنة ,1953 والسبب هو ان الاحداث التي اقترنت بعبد الناصر كانت تلامس أوتار الحلم القومي, ولا تزال تثير في داخلي وهج الحماسة الوطنية والقومية, اما ستالين فقد كان نائيا جدا في ذلك الوقت, لم اعرف الا بعد سنوات تأثير موته ودلالته على انتهاء حقبة بشعة من التاريخ, حقبة مضت مع صورة مخيفة عن ديكتاتورية الطاغية اللا انساني الذي اكتشفنا كوارثه بعد ذلك. والواقع ان متابعتي للملاحق التي يعدها ابراهيم العريس عن (حصاد الذاكرة) دفعتني الى ان امارس مع ذاكرتي لعبة التذكر لا النسيان, ففي كل مرة اقرأ فيها حلقة من هذه الملاحق أحاول ان اختبر ما بقي في ذاكرتي من صور عن سنواتها, وما ترسخ من انطباعات لاتزال واضحة او حتى باهتة عن احداثها. وكل مرة اقوم فيها بهذه اللعبة, اكتشف ضعف ذاكرتي الفردية والجمعية, أعني ضعف ذاكرتي الشخصية التي لم تختزن الا الاحداث التي اسهمت في التأثير على صاحبها تأثيرا مباشرا بمعنى أو غيره, وضعف ذاكرتي الجمعية التي لم تحفظ من احداث العالم الا ما يدخل في دائرة اهتماماتها الوطنية او القومية على نحو مباشر, وذلك بالمعنى الذي يجعل من تأميم مصدق للنفط الايراني في ربيع ,1951 مثلا, اهم من ظهور التلفزيون الملون وأول اعلان عنه في السابع من يوليو من العام نفسه. والطريف ان ما اقوم به كل اسبوع من اختبار لما في ذاكرتي من (حصاد القرن) جعلني اضع يدي على العناصر التكوينية التي بنت بها الثقافة التي خضعت لها ما انطويت عليه (ولا زال ربما) من رؤية خاصة للعالم, وما انطبع في وعيي من تحيزات لم أتخلص منها الى اليوم, واحسبني لم أرها بهذا القدر من الوضوح الا في ثنايا ما تعلمت القيام من عمليات اختبار الذاكرة. وهي عمليات جعلتني اكتشف درجة الصدق الجارح للجملة التي ظل نجيب محفوظ يكررها على امتداد فصول روايته (اولاد حارتنا) اعني جملة (افة حارتنا النسيان) .