لا أدري, لماذا كنت متجاوبا مع لحظة وفاة أم كلثوم تلفزيونيا الى الحد الذي دمعت معه عيناي ربما لأن (ثومة) اعادت الينا جميعا تلك الروح الغائبة في يومياتنا اليوم. واشارت وبالضوء الاحمر الى مواقع خلل كبيرة في منظومتنا الحياتية . فالحياة اليوم تمضي حتما حتى لا أقول فعلا ولكنها وللأسف بلا طعم وبلا هوية وبلا رائحة, انها حالة الحياد القاتلة التي تجمع بين الانسان ووجوده. فالمكان يفتقد الى التواصل, والانسان مؤجل الى لحظة قادمة, والزمان وان لم يتغير فلقد فقد قيمته الروحية في علاقته بالانسان. هذه (ثومة) .. وثومة هي اختصار لزمن ولجيل ولواقع اجتماعي وسياسي وثقافي.. ثومة هي صوت تألق وقبل ان يتألق كافح الى حد الوهن, كافح لأنه قادم من المجهول البعيد الذي لا يسمع له صوت في مجتمع طبقي الى حد التعنت والاقصاء, (ثومة) فلاحة بمرجعياتها وبانتمائها وبأفكارها, كان عليها أن تقنع والدها بالمغامرة, وكان عليها قبل ذلك ان تقتنع هي بخلع جلبابها الذكوري ومواجهة العالم الآخر, وكانت حالة الصراع هذه حاضرة الى كل مراحل ثومة.. قبل ان تتحول الى حقيقة جمالية تملأ كيان الانسان المصري ومن بعده العربي والانساني. جاءت القروية القاهرة, وكان من الصعوبة اقناع القاهرة بامكانية الاستماع اليها, وبدأت خطوات المعجزة, ان ينتصر الصوت على الانتماء الاجتماعي, وتنتصر الفلاحة على العائلات الارستقراطية والنظام الاجتماعي السائد. وتألقت أم كلثوم يوما بعد يوم, نسيت يوما أو حتى أياما, طبيعة الحياة والانسان والاشياء أجلت مطالب قلبها الملحة, تخلت عن مكمن الحب في حياتها, وسحب الموت منها أهلها الواحد بعد الآخر, والدها.. والدتها.. أخوها.. وقتها فقط اقتنعت أم كلثوم بالرجل في حياتها, رجل مكلف بمهمة توفير الأمان المفتقد, وجلب الصدر الحنون الذي سرقه الموت في صورة الأهل الراحلين, وحتى هذا الزوج, وهو حصل خارج الزمن, ولم تخلف أم كلثوم! وظلت الأم مؤجلة, وهربت المرأة من الجزء إلى الكل, ومن الأنا إلى الآخر إلى الوطن الكبير, أعطت وأعطت حتى تهاوت.. وتلك طبيعة النفوس التي تتمكن من تحقيق الأهداف المستحيلة وتعجز في مقابل ذلك عن تحقيق الأهداف الصغيرة, لذلك ظل كل ما هو صغير عزيزا إلى قلب ثومة. وثومة تغادر .. لم يعد أحد في هذا العالم قادرا على فهمها, ولا فهم وجعها, ان تتألم حتى الفظاعة فلا أضواء في امكانها ان تخفف الألم, ولا ضوضاء يمكن ان تغير من حتمية النهاية, ولا صخب الاعجاب في امكانه ان يحدث المعجزة السمائية, وعلى ثومة ان تواجه الحقيقة الانسانية الجارحة, دخول العالم يتم أيضا بالخروج منه, وتلك الحتمية الطبيعية التي لا مجال إلى انكارها ولا إلى تأجيلها ولا حتى للتفاوض حولها. ثومة.. تغادر وقمة الصمت يلفها, لا أم حولها ولا ابن لها حتى وان تبنت كامل أبناء قريتها.. رحلت ثومة وحيدة جدا, ولم تبك ولم تقل شيئا, رحلت ورحلة العمر تستعاد في ذاكرتها لحظة لحظة.. كم كان العمر قصيرا وهو يعود في لحظة عابرة, أو عفواً لحظة العبور من الحياة إلى الموت. صنع القدر بثومة ما يصنعه مع جميع المخلوقات والأشياء, وسكت من بعد ذلك أحمد رامي وأصوات الغناء العربي, وانتهى حتى زمن للقصيدة وللكلمة, والأغرب من كل ذلك انتهى حتى زمن للحلم العربي وللأحلام العربية في أيام عز جميلة ومختلفة, سكت هذا مرة واحدة.. وأفظع من كل ذلك أسدل ستار على زمن عربي جميل, كان فيه للكلمة ان يتجاوز صداها قوة فعل البارود ودوي القنابل.. وقتها كان للمستقبل معنى وللكلمة رسالة وفعل حضارة, وفق ذلك.. انتهت ازمنة للحب الجميل, وصار الحب لعنة يعاتب عليها ممارسوها, وتحركت كل الآلات البشرية, في اتجاه واحد الا آلة القلب الانساني, اختارت الاتجاه المعاكس. ثومة.. غادرت.. لأن المهمة انتهت, ولأن رامي قال كل القول في الحب وفي النبض الانساني, لأن القيد ادمى المعصمين, ولأن القلب اعطى كل شيء ولم يستبق شيئا, لأنه ايضا لم تعد هناك جدوى لرؤية الاشياء بعد ان كان مرور يوم دون رؤيتها (ما ينحسبش من عمري) . وكأن ثومة الآن واليوم, جاءت لتعيد التأكيد والتنبيه الى خطورة الواقع الانساني القائم, لقد غاب الحب.. غاب تماما, فانتبهوا ايها السادة, ثومة اشارت وبالخط الاحمر لم تعد في الحياة قضية تستحق الحياة لأجلها.. وما افظع الحياة من غير قضية.. اوليست ثومة هي من غنت فالحياة قضية وجهاد.